الأموال العامة في القانون الإداري الأردني: المفهوم والاستعمال والحماية القانونية
بواسطة Ashraf Nsour/يوليو 9, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on الأموال العامة في القانون الإداري الأردني

تُعدّ الأموال العامة من أهم الوسائل المادية التي تعتمد عليها الإدارة العامة في أداء وظائفها وتسيير مرافقها. فالإدارة لا تستطيع أن تقدم خدمات عامة أو تدير مرفقًا أو تنفذ مشروعًا أو تمارس نشاطًا إداريًا دون أموال وممتلكات مخصصة لتحقيق المصلحة العامة.
وتظهر أهمية الأموال العامة في القانون الإداري من زاويتين رئيسيتين. الأولى أنها وسيلة لازمة لقيام المرافق العامة، مثل الطرق، والمدارس، والمستشفيات، والمباني الحكومية، والحدائق، والمرافق البلدية. والثانية أنها أموال تتمتع بحماية قانونية خاصة لأنها ليست مملوكة لفرد، بل مخصصة للمنفعة العامة أو لخدمة شخص من أشخاص القانون العام.
وفي الأردن، تظهر الحماية القانونية للأموال العامة من خلال أكثر من تشريع، ومنها القواعد العامة في القانون المدني، وتشريعات المحافظة على أملاك الدولة، وقواعد الرقابة المالية. وقد ورد في نظام المحافظة على أملاك الدولة لسنة 2023 المنشور عبر ديوان التشريع والرأي أن موظفي مديرية المحافظة على أملاك الدولة يتولون مراقبة أي اعتداء يقع على أملاك الدولة وتنظيم ضبط بالمعتدين وتبليغهم بموعد الجلسة لدى المحكمة المختصة، وهو ما يعكس وجود آلية قانونية خاصة لمواجهة الاعتداء على أملاك الدولة.
يقصد بالأموال العامة: الأموال المملوكة للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة والمخصصة للمنفعة العامة أو لخدمة مرفق عام، بحيث تخضع لنظام قانوني خاص يميزها عن الأموال الخاصة.
وهذا التعريف يبين أن المال لا يكون عامًا لمجرد أنه مملوك للدولة؛ إذ قد تملك الدولة أموالًا خاصة لا تكون مخصصة للاستعمال العام أو للمرفق العام. فالتمييز الجوهري يقوم على التخصيص، أي تخصيص المال للمنفعة العامة أو لخدمة مرفق عام.
فمثلًا، الطريق العام، والحديقة العامة، ومبنى المدرسة الحكومية، ومبنى المستشفى العام، ومبنى البلدية، والمرافق المخصصة لخدمة الجمهور، كلها أمثلة يمكن أن تدخل في نطاق الأموال العامة متى كانت مخصصة للمنفعة العامة أو للمرفق العام.
أما إذا امتلكت الدولة مالًا لا يستعمل للمنفعة العامة ولا يخصص لمرفق عام، فقد يخضع في الأصل لقواعد الأموال الخاصة للدولة، مع بقاء بعض القيود والرقابة المرتبطة بالمال العام بمعناه الواسع.
يقوم وصف المال العام على عنصرين أساسيين: عنصر الملكية العامة وعنصر التخصيص للمنفعة العامة.
العنصر الأول أن يكون المال مملوكًا للدولة أو لأحد الأشخاص المعنوية العامة، كبلدية أو مؤسسة عامة أو هيئة عامة. فإذا كان المال مملوكًا لفرد خاص، فلا يعد مالًا عامًا بالمعنى الإداري، ولو كان يستعمله الجمهور بإذن مالكه.
لكن ملكية الدولة وحدها لا تكفي دائمًا؛ لأن الدولة قد تملك أموالًا خاصة لا تكون مخصصة للنفع العام. لذلك لا بد من العنصر الثاني.
العنصر الثاني هو تخصيص المال لاستعمال الجمهور مباشرة، أو لتسيير مرفق عام. فقد يكون المال مخصصًا لاستعمال عام مباشر، مثل الطرق والساحات والحدائق، وقد يكون مخصصًا لمرفق عام، مثل مباني المدارس والمستشفيات والدوائر الرسمية.
وهذا التخصيص قد يكون طبيعيًا بحكم طبيعة المال، أو قانونيًا بموجب نص أو قرار أو إجراء إداري، أو فعليًا من خلال وضع المال في خدمة الجمهور أو المرفق العام وفق القانون.
وبغير هذا التخصيص، يبقى المال مملوكًا للدولة، لكنه لا يكتسب بالضرورة نظام المال العام بالمعنى الضيق.
من المهم التمييز بين الأموال العامة والأموال الخاصة التي تملكها الدولة.
الأموال العامة هي المخصصة للمنفعة العامة أو للمرفق العام، وتخضع لحماية خاصة بسبب ارتباطها بالمصلحة العامة. أما الأموال الخاصة للدولة فهي أموال تملكها الدولة دون أن تكون مخصصة مباشرة للمنفعة العامة، وقد تتصرف بها الدولة في حدود التشريعات الناظمة كما يتصرف المالك، مع مراعاة قواعد المال العام والرقابة الإدارية والمالية.
والتمييز بين النوعين له آثار مهمة. فالأموال العامة تخضع في العادة لقواعد أشد من حيث الحماية، وعدم جواز التصرف أو الحجز أو الاكتساب بالتقادم، ما دامت مخصصة للمنفعة العامة. أما الأموال الخاصة للدولة فقد تكون قابلة لبعض التصرفات وفق القانون، كالتأجير أو البيع أو الاستثمار، لكن ذلك لا يتم بحرية مطلقة كما في الملكية الخاصة، بل ضمن قواعد وإجراءات تحمي المال العام والمصلحة العامة.
يقسم استعمال الأموال العامة عادة إلى نوعين: الاستعمال الجماعي للأموال العامة والاستعمال الخاص أو الفردي لها.
الاستعمال الجماعي هو استعمال الجمهور للمال العام وفق الغرض الذي خصص له، دون حاجة إلى ترخيص خاص في الأصل، مثل استعمال الطرق العامة، أو الحدائق العامة، أو الساحات العامة.
ويتميز هذا الاستعمال بأنه:
فاستعمال الطريق العام يكون للمرور لا لإقامة منشآت خاصة، واستعمال الحديقة العامة يكون للنزهة والانتفاع العام لا للاستئثار بها أو تعطيلها.
الاستعمال الخاص هو أن يسمح لشخص معين بالانتفاع بجزء من المال العام استعمالًا خاصًا أو مميزًا، مثل إشغال جزء من الرصيف، أو وضع كشك في موقع عام، أو استخدام جزء من مرفق عام لغرض محدد، متى أجاز القانون ذلك.
وهذا الاستعمال لا يكون حقًا طبيعيًا للفرد، بل يحتاج عادة إلى ترخيص أو عقد أو موافقة من الجهة المختصة، لأنه يتضمن تخصيصًا جزئيًا أو مؤقتًا لجزء من المال العام لفرد معين.
ويجب أن يبقى الاستعمال الخاص مؤقتًا ومقيدًا، وألا يؤدي إلى تعطيل الاستعمال العام أو الإضرار بالمصلحة العامة أو مخالفة الغرض الذي خصص له المال.
قد يكون الاستعمال الخاص للمال العام رضائيًا أو جبريًا.
فالاستعمال الخاص الرضائي يقوم على ترخيص أو عقد أو موافقة من الجهة المختصة، كالسماح بإشغال مؤقت لرصيف، أو استثمار موقع داخل مرفق عام وفق شروط معينة.
أما الاستعمال الجبري فقد يظهر عندما تستعمل الإدارة المال العام أو تفرض على الأفراد قيودًا تتعلق به استنادًا إلى القانون، مثل إزالة تعدٍّ على طريق عام، أو منع إشغال غير مشروع، أو تنظيم استعمال الأماكن العامة بصورة ملزمة.
والقاعدة أن الإدارة يجب أن تراعي في كلتا الحالتين مبدأ المشروعية. فلا يجوز منح ترخيص خاص على مال عام بما يخل بحق الجمهور، ولا يجوز استعمال سلطات الإزالة أو المنع إلا من جهة مختصة وبسند قانوني.
تتمتع الأموال العامة بحماية قانونية خاصة لأنها مخصصة للمصلحة العامة. وهذه الحماية تأخذ صورًا متعددة: حماية مدنية، وحماية جزائية، وحماية إدارية ورقابية.
والفكرة الأساسية أن المال العام لا يجوز أن يعامل كمال خاص عادي؛ لأن الاعتداء عليه لا يضر المالك القانوني فقط، بل يضر الجمهور والمرفق العام والمصلحة العامة.
تتمثل الحماية المدنية للأموال العامة في مجموعة قواعد تمنع الاعتداء عليها أو اكتسابها أو الحجز عليها خلافًا لطبيعتها.
ما دام المال مخصصًا للمنفعة العامة، فلا يجوز التصرف به بما يتعارض مع هذا التخصيص. فلا يجوز بيع طريق عام أو حديقة عامة أو مرفق مخصص للجمهور كما تباع الأموال الخاصة، إلا إذا زال تخصيصه للمنفعة العامة وفق الأداة القانونية المناسبة.
والسبب أن المال العام لا ترتبط قيمته بالملكية فقط، بل بوظيفته العامة.
الحجز على المال العام يتعارض مع فكرة استمرار المرفق العام وحماية المنفعة العامة؛ لأن الحجز قد يؤدي إلى تعطيل خدمة عامة أو إخراج مال مخصص للجمهور من استعماله العام.
ولهذا تتمتع الأموال العامة بحماية من إجراءات التنفيذ الجبري التي تجري على الأموال الخاصة، مع مراعاة النصوص الخاصة والإجراءات القانونية التي تنظم ديون الدولة أو الأشخاص العامة.
لا يجوز للأفراد اكتساب الأموال العامة بالتقادم لمجرد وضع اليد عليها مدة طويلة، لأن استمرار الاعتداء على المال العام لا يحوله إلى حق مشروع. فإذا كان المال مخصصًا للمنفعة العامة، فإن وضع اليد عليه أو استعماله بصورة مخالفة لا يؤدي إلى كسب ملكيته.
وهذا المبدأ ضروري لحماية الطرق والأراضي والمرافق العامة من الاعتداء التدريجي أو الاستيلاء غير المشروع.
إلى جانب الحماية المدنية، توجد حماية إدارية خاصة لأملاك الدولة. وقد ورد في نظام المحافظة على أملاك الدولة لسنة 2023 أن موظفي مديرية المحافظة على أملاك الدولة يتولون مراقبة أي اعتداء يقع على أملاك الدولة وتنظيم ضبط بالمعتدين وتبليغهم بموعد الجلسة الأولى لدى المحكمة المختصة.
وتكمن أهمية هذا النظام في أنه لا يترك الاعتداء على أملاك الدولة خاضعًا فقط للدعاوى المدنية العادية، بل يقرر آلية عملية للرصد والضبط والمتابعة. وهذا يعكس أن حماية أملاك الدولة ليست مجرد حماية نظرية، بل تحتاج إلى أجهزة وإجراءات قادرة على منع التعدي وإزالته.
وتشمل الاعتداءات على أملاك الدولة صورًا متعددة، مثل وضع اليد دون سند، أو البناء دون حق، أو إشغال أرض مملوكة للدولة، أو استعمال المال العام خلافًا للغرض المخصص له.
تتمتع الأموال العامة أيضًا بحماية جزائية عندما يشكل الاعتداء عليها جريمة. فالاعتداء على المال العام قد يأخذ صورًا مثل الاختلاس، أو إساءة استعمال السلطة، أو الإضرار بالمال العام، أو التزوير في المعاملات المتعلقة به، أو الاعتداء المادي على أموال أو مرافق عامة.
وتظهر أهمية الحماية الجزائية في أن المال العام يرتبط بالثقة العامة وحسن سير الإدارة. فالاعتداء عليه لا يقتصر على نزاع مالي بين أطراف، بل يمس الدولة والمجتمع والمرفق العام.
ولهذا تتعامل التشريعات الجزائية والرقابية مع المال العام بعناية خاصة، خاصة عندما يكون الفاعل موظفًا عامًا أو مكلفًا بإدارة مال عام.
لا تكتمل حماية الأموال العامة دون رقابة مالية فعالة. فالمال العام قد لا يتعرض فقط لاعتداء خارجي، بل قد يهدر بسبب سوء إدارة أو مخالفة مالية أو ضعف رقابة داخلية.
وفي الأردن، يبرز دور ديوان المحاسبة كأحد أهم أجهزة الرقابة المالية. وتوضح الصفحة الرسمية لديوان المحاسبة أن من مهامه الرقابة على الأموال العامة للتأكد من سلامة إنفاقها بصورة قانونية وفاعلة، والتثبت من أن القرارات والإجراءات الإدارية في الجهات الخاضعة لرقابته تتم وفقًا للتشريعات النافذة، إضافة إلى تقديم تقرير سنوي إلى مجلس النواب يتضمن ملاحظاته ومخالفاته والمسؤوليات المترتبة عليها.
وتدل هذه الرقابة على أن حماية المال العام لا تتحقق فقط بمنع السرقة أو الاعتداء، بل أيضًا بضمان أن الإنفاق والإدارة والاستعمال تتم وفق القانون والكفاءة والمصلحة العامة.
توجد علاقة وثيقة بين الأموال العامة والمرفق العام. فالمرفق العام يحتاج إلى أموال مخصصة لخدمته، وهذه الأموال تكتسب حماية خاصة بسبب ارتباطها باستمرار الخدمة العامة.
فمبنى المدرسة، ومعدات المستشفى، ومركبات النظافة، وشبكات الطرق، ومرافق المياه، كلها أموال لا تنفصل عن الوظيفة التي تؤديها. والاعتداء عليها أو تعطيلها يؤثر مباشرة في المنتفعين بالخدمة العامة.
ولهذا فإن حماية الأموال العامة هي في حقيقتها حماية للمرفق العام واستمراريته، وليست مجرد حماية للملكية.
تملك الإدارة سلطات معينة لحماية الأموال العامة، مثل تنظيم الاستعمال، ومنح التراخيص، وإزالة التعديات، ومنع الإشغال غير المشروع، وفرض الرسوم أو البدلات إذا أجاز القانون ذلك.
لكن هذه السلطات يجب أن تمارس ضمن حدود المشروعية. فلا يجوز للإدارة أن تمنع الانتفاع العام دون سبب، أو تمنح امتيازًا خاصًا يخل بالمساواة، أو تتصرف في المال العام خلافًا لتخصيصه، أو تستعمل سلطتها للإضرار بالأفراد.
ومن هنا، فإن حماية المال العام لا تعني إطلاق يد الإدارة، بل تعني منحها الوسائل القانونية اللازمة للحماية مع إخضاعها للرقابة.
قد تزول صفة المال العام إذا انتهى تخصيصه للمنفعة العامة أو للمرفق العام وفق الأداة القانونية المناسبة. فإذا زال التخصيص، أصبح المال قابلًا لأن يدخل في نطاق الأموال الخاصة للدولة أو الشخص العام، وقد يخضع حينها لقواعد مختلفة من حيث التصرف أو الاستثمار.
لكن زوال صفة العمومية لا يفترض تلقائيًا؛ فلا يكفي أن يتوقف الانتفاع الفعلي بالمال مدة معينة حتى يفقد صفته العامة، بل يجب النظر إلى ما إذا كان التخصيص قد ألغي قانونًا أو زال بصورة واضحة وفق القواعد المختصة.
وهذه النقطة مهمة حتى لا يتحول إهمال الإدارة أو تأخرها في استعمال المال العام إلى وسيلة لتمكين الأفراد من الاعتداء عليه أو الادعاء بحقوق عليه.
الأموال العامة في القانون الإداري الأردني ليست مجرد ممتلكات تملكها الدولة، بل هي أموال مخصصة لتحقيق المنفعة العامة أو خدمة المرافق العامة، ولذلك تخضع لنظام قانوني خاص يميزها عن الأموال الخاصة.
وتظهر هذه الخصوصية في طريقة استعمالها، وفي القيود المفروضة على التصرف بها، وفي الحماية المدنية والجزائية والإدارية والرقابية التي تحيط بها. فالمال العام لا يجوز الاعتداء عليه، ولا يجوز اكتسابه بالتقادم، ولا يجوز الحجز عليه أو التصرف فيه بما يعطل تخصيصه للمنفعة العامة.
وفي الأردن، تشكل تشريعات المحافظة على أملاك الدولة، ودور ديوان المحاسبة، والرقابة الإدارية والقضائية، منظومة مهمة لحماية الأموال العامة وضمان استعمالها في خدمة المصلحة العامة. ومن هنا فإن دراسة الأموال العامة تعد مدخلًا أساسيًا لفهم الوسائل المادية للإدارة العامة، وعلاقة المال بالمرفق العام، وحدود سلطة الإدارة في إدارة الممتلكات العامة.
راجع معنا مادة القانون الإداري


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!