الركن المعنوي للجريمة في القانون الأردني
بواسطة Ashraf Nsour/سبتمبر 25, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on الركن المعنوي للجريمة في القانون الأردني

لا يكفي لقيام الجريمة في الأصل أن يتحقق سلوك مادي مخالف للقانون؛ إذ يتطلب الإسناد الجزائي في كثير من الجرائم وجود رابطة نفسية بين الفاعل والفعل الذي صدر عنه. وهذه الرابطة هي ما يعرف في النظرية العامة للجريمة بـ الركن المعنوي.
وتبرز أهمية الركن المعنوي في التمييز بين شخص أراد ارتكاب الجريمة واتجهت إرادته إليها، وبين شخص أحدث النتيجة بسبب الإهمال أو قلة الاحتراز أو مخالفة القوانين والأنظمة، وبين شخص وقع في غلط يتعلق بعنصر من عناصر الجريمة.
وقد خصص قانون العقوبات الأردني المواد (63–67) لـ عنصر الجريمة المعنوي، فنص على تعريف النية، وعالج قبول المخاطرة بالنتيجة، وحدد صور الخطأ، ونظم أثر وقوع الجريمة على غير الشخص المقصود، وعرّف الدافع وحدد قيمته القانونية.
كما أفرد المشرع المواد (85–87) للجهل بالقانون والغلط في الوقائع، فنص صراحة على عدم اعتبار جهل القانون عذرًا، وعلى أثر الغلط المادي في الجرائم المقصودة وغير المقصودة.
وتتناول هذه الدراسة الركن المعنوي في قانون العقوبات الأردني من خلال القصد الجرمي بعنصري العلم والإرادة، وأنواع القصد، والدافع، والخطأ غير المقصود، والجهل والغلط وآثارهما، مع التمييز بين ما قرره النص الأردني صراحة وبين التقسيمات الفقهية المستخدمة في شرح هذه النصوص.
يقصد بالركن المعنوي:
الحالة النفسية التي تربط الفاعل بالسلوك الجرمي ونتائجه على النحو الذي يتطلبه القانون.
وقد يتخذ الركن المعنوي إحدى صورتين أساسيتين:
ولا يجوز افتراض أن كل نتيجة ضارة تعني تلقائيًا وجود قصد جرمي.
فالقانون يميز بين من:
وضعت المادة (63) تعريفًا مباشرًا للنية:
«النية: هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون.»
وهذا التعريف شديد الأهمية.
فالإرادة لا تتجه إلى مجرد حركة مادية.
بل يجب أن تتجه إلى الجريمة على ما عرفها القانون.
وبذلك يرتبط القصد بالعناصر القانونية اللازمة لقيام الجريمة.
رغم أن المادة (63) ركزت في عبارتها على الإرادة، فإن التحليل الفقهي للقصد يقوم عادة على عنصرين مترابطين:
العلم والإرادة.
فلا يستطيع الشخص أن يريد جريمة بالمعنى القانوني إذا كان يجهل واقعة جوهرية تدخل في تكوينها.
ولهذا تكمل المواد (85–87) أحكام النية من خلال معالجة الجهل والغلط.
يقصد بالعلم أن يكون الجاني مدركًا للوقائع الجوهرية التي تجعل سلوكه مطابقًا للنموذج الجرمي الذي حدده القانون.
ولا يعني ذلك أنه يجب أن يكون خبيرًا قانونيًا أو يعرف رقم المادة التي تجرم الفعل.
بل يتعلق العلم أساسًا بالوقائع المكونة للجريمة.
إذا تطلبت الجريمة محلًا معينًا، يجب أن يتوافر العلم بالحقيقة التي تمنح ذلك المحل صفته القانونية اللازمة للجريمة، ما لم يقرر القانون حكمًا آخر.
ففي الجرائم الواقعة على الأموال مثلًا، قد تكون معرفة أن المال يعود للغير ذات أهمية بحسب عناصر الجريمة.
وفي الجرائم التي تتطلب صفة خاصة في المجني عليه أو محل الفعل، يمكن أن يصبح الغلط في هذه الصفة مؤثرًا في القصد.
ولهذا قررت المادة (86/1):
«لا يعاقب كفاعل أو محرض أو متدخل كل من أقدم على الفعل في جريمة مقصودة بعامل غلط مادي واقع على أحد العناصر المكونة للجريمة.»
يجب من حيث الأصل أن يعرف الفاعل حقيقة السلوك الذي يقوم به.
فمن يسلم مادة يعتقد بحسن نية أنها مادة عادية، بينما تكون في الحقيقة شيئًا ذا طبيعة مختلفة تشكل عنصرًا من عناصر الجريمة، تختلف حالته عن الشخص الذي يعرف طبيعة المادة ويستعملها عمدًا لتحقيق النتيجة.
وهنا يظهر أثر الغلط المادي في نفي القصد.
في الجرائم ذات النتيجة، يرتبط القصد كذلك بموقف الفاعل من النتيجة.
وقد عالجت المادة (64) هذه المسألة بصورة واضحة:
«تعد الجريمة مقصودة وإن تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل قصد الفاعل إذا كان قد توقع حصولها فقبل بالمخاطرة…»
وهذه العبارة هي الأساس التشريعي لما يعرف فقهيًا بـ القصد الاحتمالي.
القصد المباشر هو الصورة التي يتجه فيها الفاعل إلى ارتكاب الجريمة وتحقيق النتيجة التي يريدها.
مثال تحليلي:
شخص يريد قتل آخر فيطلق النار عليه بقصد إزهاق روحه.
هنا تكون النتيجة:
وهذه هي الصورة التقليدية للقصد الجرمي.
القصد الاحتمالي لا يعني أن الفاعل أراد النتيجة بوصفها هدفه الأساسي.
بل يكفي، وفق المادة (64)، أن:
وهذان العنصران ضروريان.
فمجرد إمكان توقع النتيجة من وجهة نظر شخص آخر لا يكفي وحده.
يجب بحث موقف الفاعل نفسه:
هل توقع النتيجة وقبل المخاطرة بها؟
إذا قام شخص بسلوك شديد الخطورة، وكان يعلم أن هذا السلوك قد يؤدي إلى نتيجة جرمية، ومع ذلك مضى فيه وهو قابل لاحتمال وقوع النتيجة، فقد تتحقق الصورة التي وصفها المشرع في المادة (64).
لكن إثبات القصد الاحتمالي لا يقوم على الافتراض المجرد.
بل يستخلص من:
هذه من أدق مسائل الركن المعنوي.
في الحالتين قد يتوقع الفاعل إمكان وقوع النتيجة.
لكن الفرق يكمن في موقف الإرادة منها.
يتوقع الفاعل النتيجة ويقبل بالمخاطرة بها.
يتوقع احتمال النتيجة، لكنه يعتمد على أنها لن تقع أو يعتقد أنه يستطيع تفاديها.
والمعيار التشريعي المباشر الذي يوفره القانون الأردني للقصد الاحتمالي هو عبارة المادة (64):
«فتوقع حصولها فقبل بالمخاطرة.»
أما اصطلاح «الخطأ الواعي» فهو تقسيم فقهي لصور الخطأ، وليس تعبيرًا استخدمته المادة بالاسم.
يقسم الفقه القصد إلى:
وهذا التقسيم يساعد على فهم المادة (65).
فالقصد العام يكفي فيه اتجاه الإرادة إلى ارتكاب العناصر التي يتطلبها النص.
أما القصد الخاص فيشترط فيه المشرع غاية إضافية معينة تتجاوز مجرد إرادة الفعل.
وقد قررت المادة (65):
«لا عبرة للنتيجة إذا كان القصد أن يؤدي إليها ارتكاب فعل إلا إذا ورد نص صريح على أن نية الوصول إلى تلك النتيجة تؤلف عنصرًا من عناصر الجرم…»
ومن ثم لا يجوز إضافة قصد خاص إلى جريمة إذا لم يتطلبه القانون.
تكشف المادة (65) قاعدة مهمة:
الأصل عدم اشتراط غاية خاصة إلا إذا نص القانون عليها.
فلا يستطيع القاضي أن يضيف إلى النص شرطًا نفسيًا لم يضعه المشرع.
أما إذا اشترط النص:
فإن هذه الغاية تصبح جزءًا من البناء المعنوي للجريمة.
يستخدم الفقه تقسيمًا آخر بين:
حين تتجه إرادة الفاعل إلى نتيجة أو شخص محدد.
حين يتجه القصد إلى إحداث نتيجة جرمية دون تحديد دقيق للشخص الذي ستقع عليه.
ولا يضع قانون العقوبات في المواد (63–67) هذين المصطلحين كتصنيف عام مستقل، إلا أن بعض أحكامه تؤكد إمكان تصور القصد تجاه شخص غير معين.
فالمادة (329) مثلًا تعرف الإصرار السابق بأنه القصد المصمم عليه قبل الفعل لإيذاء شخص معين:
«أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه…»
وهذا يدعم من الناحية التشريعية إمكان اتجاه القصد إلى ضحية غير محددة شخصيًا.
عالجت المادة (66) حالة مهمة:
«إذا وقعت الجريمة على غير الشخص المقصود بها، عوقب الفاعل كما لو كان اقترف الفعل بحق من كان يقصد.»
فالفاعل لا يستطيع التخلص من المسؤولية المقصودة لمجرد أن الجريمة أصابت شخصًا آخر غير الشخص الذي استهدفه.
وهذا النص يغطي بصورة مباشرة انتقال أثر القصد إلى الشخص الذي وقعت عليه الجريمة.
يميز الفقه بين حالتين:
يخطئ الجاني في هوية الشخص نفسه، فيعتقد أن (أ) هو (ب) ويعتدي عليه.
يقصد إصابة شخص معين، لكن فعله ينحرف فيصيب شخصًا آخر.
والمادة (66) تقدم قاعدة عامة قوية:
إذا وقعت الجريمة على غير الشخص المقصود بها، يعاقب الفاعل كما لو وقعت على الشخص الذي قصد الاعتداء عليه.
لكن إذا كانت صفة المجني عليه عنصرًا خاصًا أو ظرفًا له أثر في التجريم أو العقوبة، فقد يلزم تحليل الغلط في هذه الصفة في ضوء المادة (86) والنص الخاص.
قد يريد الجاني نتيجة معينة لكن تقع نتيجة أخرى.
ولا يمكن وضع قاعدة واحدة لكل الحالات.
فيجب التمييز بين:
ولهذا يجب الجمع بين:
يوجد في قانون العقوبات نماذج لجرائم تقع فيها نتيجة أشد من التي قصدها الفاعل.
ومن الأمثلة المهمة المادة (330)، التي تعاقب من يضرب أو يجرح شخصًا أو يعطيه مواد ضارة دون أن يقصد قتله ثم يتوفى المعتدى عليه متأثرًا بالفعل.
وهذه الصورة تختلف عن القتل المقصود.
كما تختلف عن القصد الاحتمالي إذا لم يثبت أن الفاعل توقع الموت وقبل المخاطرة به.
ولهذا يجب عدم مساواة الجريمة المتجاوزة للقصد بالقصد الاحتمالي.
قد يتصور الفاعل أن النتيجة ستقع بطريقة معينة، لكنها تقع بطريقة أخرى.
ولا يؤدي كل اختلاف في التسلسل السببي إلى نفي القصد.
العبرة بما إذا كانت النتيجة التي وقعت هي من حيث الجوهر النتيجة التي اتجه إليها القصد وما إذا بقيت السببية القانونية قائمة.
ولا يضع قانون العقوبات قاعدة مستقلة عامة بعنوان «الغلط في السببية»، ولذلك تظل المسألة موضوع تحليل فقهي وقضائي في ضوء:
المادة (63) تجعل الإرادة في صميم النية:
«إرادة ارتكاب الجريمة…»
وهذا يعني أن الفعل المقصود يجب أن يصدر عن إرادة تتجه إلى السلوك الجرمي.
وتختلف الإرادة عن مجرد الحركة الجسدية.
فالحركة التي تقع دون إرادة واعية لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي يعامل بها الفعل الاختياري.
في القصد المباشر، تتجه إرادة الفاعل إلى النتيجة.
وفي القصد الاحتمالي، لا تكون النتيجة بالضرورة غايته الأساسية، لكنه يتوقعها ويقبل المخاطرة بها.
أما في الخطأ، فلا تتجه الإرادة إلى النتيجة الجرمية.
وهذا هو الفاصل الأساسي بين:
الجريمة المقصودة والجريمة غير المقصودة.
عرّفت المادة (67/1) الدافع بأنه:
«العلة التي تحمل الفاعل على الفعل، أو الغاية القصوى التي يتوخاها.»
ومن ثم يجب التمييز بين:
القصد والدافع.
فالقصد يتعلق بإرادة ارتكاب الجريمة.
أما الدافع فهو السبب النفسي أو الغاية النهائية التي دفعت الشخص إليها.
قد يقصد شخص إتلاف مال الغير.
هذا هو القصد المتعلق بالفعل.
لكن الدافع قد يكون:
فتتغير الدوافع بينما يبقى القصد الجرمي ذاته.
حسمت المادة (67/2) المسألة:
«لا يكون الدافع عنصرًا من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون.»
إذن الأصل:
لا عبرة بالدافع في قيام الجريمة.
والاستثناء:
أن يجعل القانون الدافع أو الغاية عنصرًا ذا أثر صريح.
ولا يجوز للقاضي إضافة هذا الشرط من عنده.
كون الدافع أخلاقيًا أو إنسانيًا في نظر الفاعل لا يجعل السلوك مشروعًا تلقائيًا إذا توافرت عناصر الجريمة.
وبالمقابل، كون الدافع سيئًا لا يكفي وحده لخلق جريمة لم ينص عليها القانون.
وهذا تطبيق مباشر لفكرة:
القصد شيء والدافع شيء آخر.
من أهم التطبيقات التي تتصل بالقصد سبق الإصرار.
وقد عرفت المادة (329) الإصرار السابق بأنه:
«القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جنحة أو جناية يكون غرض المصر منها إيذاء شخص معين أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه ولو كان ذلك القصد معلقًا على حدوث أمر أو موقوفًا على شرط.»
إذن سبق الإصرار ليس مجرد وجود القصد في لحظة ارتكاب الجريمة.
بل يفترض قصدًا مصممًا عليه قبل الفعل.
تظهر أهميته بصورة خاصة في القتل.
فالمادة (328) تقرر عقوبة الإعدام على القتل قصدًا في الصور التي حددتها، ومنها:
«إذا ارتكب مع سبق الإصرار، ويقال له القتل العمد.»
ومن هنا يتضح أن سبق الإصرار ليس مجرد مصطلح فقهي، بل ظرف ذو أثر تشريعي مباشر في بعض الجرائم.
القصد البسيط يتوافر عندما تتجه الإرادة إلى الجريمة دون أن تتحقق شروط سبق الإصرار.
أما سبق الإصرار فيتطلب تصميمًا سابقًا وفق المادة (329).
وبالتالي:
كل سبق إصرار يفترض قصدًا، لكن ليس كل قصد سبق إصرار.
يجب، من حيث الأصل، أن يتوافر القصد في الوقت الذي يرتكب فيه الشخص السلوك المكون للجريمة.
فالقصد اللاحق لا يحول فعلًا بريئًا وقت ارتكابه إلى جريمة مقصودة بأثر رجعي.
كما أن نية سابقة زالت قبل تنفيذ الفعل لا تكفي وحدها.
وهذا نتيجة منطقية لتعريف المادة (63) للنية بأنها إرادة ارتكاب الجريمة.
القصد حالة نفسية داخلية، ولا يمكن في معظم الجرائم رؤيته مباشرة.
لذلك يستخلص من الوقائع الخارجية والقرائن.
ومن أمثلة ما يمكن أن يساعد في استخلاصه:
لكن هذه كلها وسائل إثبات واستدلال، وليست بديلًا عن ضرورة إثبات القصد الذي يتطلبه النص.
ليست المسؤولية الجزائية محصورة في الأفعال العمدية.
فالمشرع قد يعاقب على نتيجة لم يردها الفاعل عندما تكون ناجمة عن خطأ من جانبه ويقرر النص مسؤولية عنها.
وقد عرفت المادة (64) الخطأ بقولها:
«ويكون الخطأ إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة.»
وهذه هي القاعدة التشريعية الأساسية للخطأ في قانون العقوبات الأردني.
يمكن تعريف الخطأ بأنه:
إخلال الشخص بواجب الحيطة والحذر الذي يفرضه القانون أو ظروف السلوك، فيترتب على ذلك نتيجة جرمية لم تتجه إرادته إلى تحقيقها.
وفي هذا النوع من الجرائم لا يعاقب الشخص لأنه أراد النتيجة، بل لأنه:
حدد المشرع ثلاث صور صريحة:
وتشكل هذه الصور الأساس التشريعي الذي يجب الانطلاق منه عند الحديث عن الجرائم غير المقصودة.
الإهمال يتمثل في عدم اتخاذ العناية التي كان ينبغي اتخاذها في الظروف المعينة.
وقد يظهر في صورة:
لكن لا يكفي وصف السلوك اجتماعيًا بأنه «إهمال».
بل يجب أن يكون الإهمال ذا صلة بالنتيجة التي يجرم القانون التسبب بها.
قلة الاحتراز تعني الإقدام على نشاط دون اتخاذ الحيطة اللازمة لمواجهة مخاطره.
فالفاعل قد يقوم بعمل مشروع في ذاته، لكنه ينفذه بطريقة تنطوي على خطر غير مقبول.
والفاصل بين الإهمال وقلة الاحتراز قد يكون دقيقًا في بعض الوقائع، ولا يلزم دائمًا الفصل بينهما بصورة جامدة؛ لأن المادة (64) تجمعهما ضمن صور الخطأ.
الصورة الثالثة هي مخالفة قاعدة قانونية أو تنظيمية وضعت لتجنب الخطر.
ومن أمثلتها من حيث الفكرة:
لكن إثبات مجرد مخالفة القاعدة لا يغني دائمًا عن إثبات علاقة هذه المخالفة بالنتيجة الجرمية.
يعرف الفقه الخطأ الواعي بالحالة التي يتوقع فيها الشخص إمكان حدوث النتيجة، لكنه لا يقبل بها ويعتمد على عدم وقوعها.
وهو يختلف عن القصد الاحتمالي.
ففي القصد الاحتمالي:
توقع + قبول المخاطرة.
أما في الخطأ الواعي:
توقع + عدم قبول النتيجة مع الاعتقاد بإمكان تفاديها.
والفاصل بينهما مسألة دقيقة تتطلب استظهار الموقف النفسي للفاعل.
هو الحالة التي لا يتوقع فيها الشخص النتيجة بالفعل، رغم أنه كان يتعين عليه — وفق معيار المسؤولية الذي يطبقه القضاء والقانون — أن يتنبه إلى الخطر ويتخذ الحيطة.
وهذا المصطلح تقسيم فقهي، إذ إن المادة (64) لا تستخدم لفظي «الخطأ الواعي» و«غير الواعي» وإنما تحدد صور الخطأ الثلاثة.
يثور السؤال:
كيف نقرر أن الشخص كان مهملًا أو قليل الاحتراز؟
وقد عرف الفقه عدة اتجاهات.
يركز على قدرات الفاعل نفسه وظروفه.
يقارن سلوكه بما كان سيفعله الشخص المعتاد الحريص في الظروف نفسها.
يراعي معيار السلوك الواجب مع بعض الظروف الشخصية ذات الصلة.
ولا يضع قانون العقوبات في المادة (64) واحدًا من هذه المصطلحات الثلاثة كقاعدة تشريعية عامة صريحة؛ ولذلك تبقى مسألة تحديد الخطأ مرتبطة بتطبيق القضاء للنص وظروف كل واقعة.
لا يكفي وجود خطأ مجرد.
بل يجب أن تكون النتيجة الجرمية التي يحاسب عليها الشخص مرتبطة بهذا الخطأ سببيًا.
فإذا وقع سلوك مهمل لكن النتيجة حدثت بسبب مستقل لا صلة له بذلك السلوك، لا يمكن إسنادها إليه لمجرد وجود الخطأ.
ولهذا يجب الجمع في الجرائم غير المقصودة بين:
قد تسهم أخطاء عدة أشخاص في نتيجة واحدة.
مثل:
ولا يعني تعدد الأخطاء تلقائيًا أن خطأ أحدهم يلغي خطأ الآخر.
بل يجب بحث:
هذه من المسائل التي تحتاج إلى دقة خاصة.
فالمادة (76)، عند تنظيم الشراكة، تشترط أن يأتي كل مساهم فعله:
«بقصد حصول تلك الجناية أو الجنحة.»
كما أن المحرض والمتدخل في المادة (80) مرتبطان بمساعدة مشروع جرمي مقصود.
ولهذا لا يصح إسقاط نظام الاشتراك الجرمي العمدي آليًا على الجرائم غير المقصودة.
لكن يمكن أن تساهم أخطاء عدة أشخاص في نتيجة غير مقصودة واحدة، وعندئذ تبحث مسؤولية كل شخص كفاعل عن خطئه إذا توافرت:
وهذا أدق من وصفهم جميعًا بأنهم «شركاء» بالمعنى الفني للمادة (76).
قد يقع الخطأ أثناء ممارسة مهنة تتطلب معرفة فنية خاصة.
مثل:
ولا يضع قانون العقوبات في المادة (64) فئة مستقلة تسمى «الخطأ المهني»، لكنه يدخل من حيث المبدأ ضمن صور:
وقد تحكم المهنة تشريعات خاصة تحدد الواجبات الفنية والمهنية.
الفرق الفقهي بينهما يتعلق بالسياق.
فالخطأ العادي يمكن أن يصدر من أي شخص.
أما الخطأ المهني فيرتبط بأداء نشاط يتطلب خبرة أو مهارة معينة.
لكن من زاوية قانون العقوبات، يبقى السؤال الأساسي:
هل تحققت إحدى صور الخطأ التي يعترف بها القانون، وهل ترتبت عنها النتيجة التي يعاقب عليها النص؟
المسؤولية الجزائية شخصية.
فلا يمكن تحميل شخص خطأ غيره لمجرد وجود علاقة بينهما.
بل يجب أن يثبت بالنسبة إلى كل متهم:
وهذه المسألة تزداد أهمية في المؤسسات والمشروعات التي يعمل فيها عدة أشخاص ضمن سلسلة واحدة.
يستخلص الخطأ من الظروف الواقعية.
ومن الأدلة التي قد تكون ذات صلة بحسب الدعوى:
لكن لا توجد قرينة عامة تقول إن وقوع النتيجة يثبت الخطأ وحده.
فوقوع الضرر لا يكفي بذاته لإثبات المسؤولية الجزائية غير المقصودة.
انتقل المشرع في المادة (85) إلى مسألة مختلفة هي الجهل.
وقد قرر قاعدة صريحة:
«لا يعتبر جهل القانون عذرًا لمن يرتكب أي جرم.»
وهذه من القواعد الأساسية في القانون الجزائي.
فلا يستطيع الشخص التخلص من المسؤولية بمجرد القول:
«لم أكن أعلم أن القانون يجرم هذا الفعل.»
لو كان مجرد ادعاء الجهل بالقانون مانعًا للمسؤولية، لأصبح تطبيق التشريع الجزائي متوقفًا على المعرفة الشخصية لكل فرد.
ولهذا يفترض النظام القانوني خضوع الأشخاص للقانون بعد نفاذه وفق الأصول.
لكن يجب التمييز بين:
الجهل بوجود قاعدة التجريم وبين الغلط في واقعة مادية تدخل في عناصر الجريمة.
الأول عالجته المادة (85).
والثاني عالجته المادة (86).
قررت المادة (86/1):
«لا يعاقب كفاعل أو محرض أو متدخل كل من أقدم على الفعل في جريمة مقصودة بعامل غلط مادي واقع على أحد العناصر المكونة للجريمة.»
إذن الغلط المؤثر يجب أن يقع على:
عنصر من العناصر المكونة للجريمة.
والسبب أن الغلط هنا يمنع تكوين العلم اللازم للقصد.
إذا أخذ شخص شيئًا معتقدًا على أساس واقعي أنه مملوك له، ثم اتضح أنه مال غيره، فإن أثر الغلط يتوقف على العناصر التي يشترطها نص الجريمة.
فإذا كان العلم بملكية الغير عنصرًا لازمًا، يمكن أن يؤثر الغلط المادي في توافر القصد.
ولا يعني ذلك تلقائيًا انتفاء كل مسؤولية محتملة؛ إذ يجب فحص النص والوقائع.
نصت المادة (86/2):
«إذا وقع الغلط على أحد الظروف المشددة لا يكون المجرم مسؤولًا عن هذا الظرف.»
وهذه قاعدة مهمة جدًا.
فإذا كان الظرف المشدد يتطلب حقيقة مادية لم يعلم بها الفاعل بسبب غلط، لا يسأل عن الظرف وفق شروط النص.
لكنه قد يظل مسؤولًا عن الجريمة الأساسية.
لا يضع القانون في المواد (85–87) قاعدة عامة مستقلة بعنوان:
«الغلط في الأعذار القانونية».
ولذلك لا يجوز افتراض أن اعتقاد الشخص خطأ بوجود عذر قانوني يؤدي تلقائيًا إلى الإعفاء أو التخفيف.
بل يجب تحديد:
فإذا كان الغلط مجرد جهل بالحكم القانوني، اصطدم بقاعدة المادة (85).
تنص المادة (87):
«يكون الغلط الواقع على فعل مؤلف لجريمة غير مقصودة مانعًا للعقاب إذا لم ينتج عن خطأ الفاعل.»
وهذه صياغة دقيقة.
فالغلط لا يعفي دائمًا.
بل يجب ألا يكون الغلط نفسه نتيجة:
إذا وقع الشخص في غلط لا يمكن نسبته إلى تقصير منه، قد يمنع العقاب في الجريمة غير المقصودة وفق المادة (87).
أما إذا كان وقوعه في الغلط نفسه ناتجًا عن:
فلا يستطيع الاستناد إليه لتجنب المسؤولية عن الخطأ.
هذه مسألة فقهية دقيقة.
فقد يعتمد عنصر في جريمة جزائية على مركز قانوني تحدده قاعدة من فرع آخر من القانون.
وفي هذه الحالات ينبغي التمييز بين:
وقانون العقوبات في المواد المذكورة لا يضع قاعدة تفصيلية عامة تحت عنوان «الغلط في قانون غير جزائي»، ولذلك ينبغي الحذر من تقرير حكم مطلق دون الرجوع إلى الجريمة محل البحث.
إذا كان الشخص يجهل حقيقة مادية تشكل ظرفًا مشددًا، فإن المادة (86/2) هي المرجع المباشر:
لا يكون مسؤولًا عن ذلك الظرف إذا وقع الغلط عليه.
وهذا تطبيق لمبدأ أن تشديد المسؤولية بسبب ظرف لا ينبغي أن يقع عندما لا يتوافر العنصر المعنوي الذي يتطلبه القانون بالنسبة إليه.
أكدت المادة (86) أن الغلط المادي يمكن أن يؤثر على:
وهذا يؤكد أن الركن المعنوي يجب فحصه بالنسبة إلى كل مساهم على حدة.
فوجود قصد لدى الفاعل لا يعني تلقائيًا وجوده لدى المتدخل.
ولا علم المحرض ينتقل إلى غيره دون إثبات.
إذا اشترك عدة أشخاص في مشروع جرمي ثم أقدم أحدهم على فعل مختلف، فلا يجوز نسبة النتيجة إلى الآخرين بصورة تلقائية.
يجب معرفة:
وهنا تظهر أهمية المادة (64) والمبادئ المتعلقة بشخصية المسؤولية.
يمكن من حيث التحليل أن تثار مسألة القصد الاحتمالي لدى المساهم نفسه.
فإذا توقع مساهم نتيجة إضافية محتملة وقبل المخاطرة بها، يجب فحص المادة (64) بالنسبة إليه شخصيًا.
لكن لا يكفي أن يكون الفاعل الأصلي قد توقعها.
إذ لا بد من تحديد الموقف النفسي لكل متهم.
مجرد التفكير بالجريمة قبل ارتكابها لا يعني دائمًا توافر سبق الإصرار.
فالمادة (329) تتطلب:
قصدًا مصممًا عليه قبل الفعل.
إذن يجب التمييز بين:
وتحديد سبق الإصرار مسألة تستخلص من ظروف كل واقعة.
كثيرًا ما يحدث خلط بينهما.
غاية يجعلها القانون عنصرًا في الجريمة.
العلة النفسية التي دفعت الفاعل إلى ارتكابها، ولا يكون عنصرًا إلا إذا قال القانون ذلك.
ومعيار الفصل هو النص لا التسمية الفقهية.
المواد (63–67) تضع القواعد العامة.
لكن كل جريمة قد يكون لها بناء معنوي خاص.
وقد يشترط النص:
لذلك لا يجوز تحليل الركن المعنوي لأي جريمة بالاعتماد على المواد العامة فقط، بل يجب قراءة النص الخاص للجريمة معها.
لا يجوز افتراض أن كل جريمة يمكن أن ترتكب عمدًا أو خطأً معًا.
فالمسؤولية عن الفعل غير المقصود تتطلب أن يكون القانون قد جعل الخطأ أساسًا للعقاب بالنسبة إلى الجريمة المعنية.
ومن ثم، إذا كان النص لا يعاقب إلا على السلوك المقصود، فلا يمكن إنشاء صورة غير مقصودة للجريمة بطريق القياس.
وهذه نتيجة من نتائج مبدأ الشرعية.
يتعمد شخص إتلاف مال يعرف أنه مملوك لغيره ويريد إتلافه.
التحليل يدور حول:
فإذا ثبتت هذه العناصر، يكون القصد مباشرًا.
يقوم شخص بفعل خطير وهو يتوقع أن يؤدي إلى إصابة شخص آخر، ثم يستمر رغم ذلك قابلًا احتمال وقوع الإصابة.
إذا ثبت:
التوقع + قبول المخاطرة،
فإن المادة (64) تسمح باعتبار الجريمة مقصودة في حدود النص.
يقود شخص مركبة بطريقة تنطوي على قلة احتراز مخالفة لواجب الحيطة، فتقع نتيجة يعاقب القانون على التسبب فيها خطأً.
هنا لا يكون السؤال:
هل أراد النتيجة؟
بل:
يعطي شخص حقيبة إلى آخر معتقدًا على أساس واقعي أنها حقيبته، ثم يتبين أنها حقيبة شخص ثالث.
إذا كانت حقيقة ملكية الشيء عنصرًا لازمًا في الجريمة المفترضة، فإن الغلط في هذه الواقعة قد يمنع القصد وفق المادة (86/1)، مع ضرورة فحص النص الخاص والوقائع كاملة.
يريد شخص الاعتداء على (أ)، فيخطئ ويقع الفعل على (ب).
المادة (66) تمنعه من الاحتجاج بمجرد اختلاف الشخص:
يعاقب كما لو اقترف الفعل بحق من كان يقصد.
لكن إذا كانت هناك صفة خاصة في المجني عليه تغير الجريمة أو العقوبة، فيجب بحث أثر العلم والغلط في تلك الصفة بصورة منفصلة.
عند تحليل أي جريمة، يمكن اتباع التسلسل الآتي:
يمكن تلخيص أهم النصوص كالتالي:
| المادة | الموضوع |
|---|---|
| 63 | تعريف النية |
| 64 | القصد الاحتمالي وصور الخطأ |
| 65 | أثر نية الوصول إلى النتيجة والقصد الخاص عند اشتراط النص |
| 66 | وقوع الجريمة على غير الشخص المقصود |
| 67 | تعريف الدافع وأثره |
| 85 | جهل القانون |
| 86 | الغلط المادي في الجريمة المقصودة والظروف المشددة |
| 87 | الغلط في الجريمة غير المقصودة |
| 329 | تعريف الإصرار السابق |
| 330 | نموذج للنتيجة التي تتجاوز القصد دون قصد القتل |
يقوم الركن المعنوي في قانون العقوبات الأردني على تمييز واضح بين القصد الجرمي والخطأ.
فقد عرفت المادة (63) النية بأنها إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون، بينما قررت المادة (64) أن الجريمة تبقى مقصودة إذا توقع الفاعل النتيجة وقبل المخاطرة بها، وهو الأساس التشريعي للقصد الاحتمالي. وفي المقابل عرفت المادة نفسها الخطأ من خلال الإهمال وقلة الاحتراز وعدم مراعاة القوانين والأنظمة.
وتميز القانون كذلك بين القصد والدافع؛ فالدافع هو العلة أو الغاية القصوى التي يحمل الفاعل على الفعل، ولا يصبح عنصرًا في التجريم إلا عندما ينص القانون على ذلك.
أما وقوع الجريمة على شخص غير الذي قصده الفاعل، فلا يؤدي بذاته إلى زوال المسؤولية، إذ تقرر المادة (66) معاقبته كما لو أن الفعل وقع على الشخص المقصود.
وفي شأن الجهل والغلط، وضع المشرع حدًا فاصلًا بالغ الأهمية: جهل القانون ليس عذرًا وفق المادة (85)، بينما يمكن للغلط المادي الواقع على عنصر من عناصر الجريمة المقصودة أن يمنع العقاب، كما يمنع مساءلة الجاني عن الظرف المشدد الذي وقع الغلط عليه. وفي الجرائم غير المقصودة، لا يكون الغلط مانعًا للعقاب إلا إذا لم يكن ناتجًا عن خطأ الفاعل نفسه.
وتظهر أهمية الركن المعنوي بصورة خاصة في الفصل بين القصد الاحتمالي والخطأ الواعي؛ فالمعيار الذي يضعه النص الأردني هو موقف الفاعل من النتيجة: إذا توقعها وقبل المخاطرة بها كانت الجريمة مقصودة، أما إذا لم يقبلها وإنما أخطأ في الحيطة أو الاحتراز، انتقل التحليل إلى نطاق الخطأ.
كما أن سبق الإصرار يمثل صورة مشددة من التصميم الجرمي عندما يتحقق التعريف المحدد في المادة (329)، بينما تقدم المادة (330) نموذجًا مختلفًا للجريمة التي تتحقق فيها نتيجة أشد من النتيجة التي قصدها الفاعل دون أن يكون قد قصد القتل.
وبذلك لا يمثل الركن المعنوي مجرد بحث في «نية المتهم» بمعناها العام، بل هو نظام قانوني دقيق يحدد ما كان الجاني يعلمه وما أراده وما توقعه وموقفه من النتيجة، وما إذا كانت النتيجة ناشئة عن قصد أو خطأ أو غلط معذور.
وهذا التحديد هو الذي يفصل في كثير من الأحيان بين جريمتين تختلفان جذريًا في الوصف والعقوبة رغم تشابه النتيجة المادية.
«النية: هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون.»
تقرر أن الجريمة تعتبر مقصودة إذا توقع الفاعل النتيجة وقبل المخاطرة بها، وتحدد صور الخطأ في:
تنظم أثر قصد الوصول إلى النتيجة، وتؤكد أهمية النص الصريح عندما تكون نية الوصول إلى نتيجة معينة عنصرًا من عناصر الجريمة.
«إذا وقعت الجريمة على غير الشخص المقصود بها، عوقب الفاعل كما لو كان اقترف الفعل بحق من كان يقصد.»
تعرف الدافع وتقرر أنه لا يكون عنصرًا من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون.
«لا يعتبر جهل القانون عذراً لمن يرتكب أي جرم.»
تنظم أثر الغلط المادي الواقع على عنصر من عناصر الجريمة المقصودة والغلط في الظروف المشددة.
«يكون الغلط الواقع على فعل مؤلف لجريمة غير مقصودة مانعاً للعقاب إذا لم ينتج عن خطأ الفاعل.»
تعرف الإصرار السابق بأنه القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جناية أو جنحة بقصد الإيذاء، وفق التفاصيل الواردة في النص.
تقدم نموذجًا لجريمة يتسبب فيها الفاعل بالوفاة نتيجة الضرب أو الجرح أو إعطاء مواد ضارة دون أن يكون قد قصد القتل.
راجع معنا مادة قانون العقوبات


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!