أسباب التبرير في القانون الأردني
بواسطة Ashraf Nsour/سبتمبر 25, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on أسباب التبرير في القانون الأردني

قد يقع من الشخص فعل يبدو في ظاهره مطابقًا لسلوك جرّمه قانون العقوبات، كإحداث جرح أو استعمال القوة أو المساس بجسم إنسان، ومع ذلك لا يعد هذا الفعل جريمة إذا أجازه القانون في ظروف محددة.
وهنا تظهر أسباب التبرير، وهي الحالات التي يقرر فيها النظام القانوني أن الفعل، رغم تشابهه المادي مع فعل مجرّم، يصبح مشروعًا بسبب الظروف التي وقع فيها.
وقد نظم قانون العقوبات الأردني أسباب التبرير بصورة مباشرة في المواد (59–62)، فقرر أن ممارسة الحق دون إساءة استعماله لا تعد جريمة، وأدخل الدفاع الشرعي ضمن صور ممارسة الحق، كما استبعد الصفة الجرمية عن الفعل المرتكب تنفيذًا للقانون أو إطاعة لأمر مشروع صادر عن مرجع مختص، وأجاز بعض صور التأديب والأعمال الرياضية والعمليات الجراحية والعلاجات الطبية ضمن حدود دقيقة.
إضافة إلى ذلك، وضع المشرع في المادتين (341) و(342) تطبيقات خاصة للدفاع المشروع عن النفس والعرض والمال وحرمة المسكن.
وتتناول هذه الدراسة مفهوم أسباب التبرير وآثارها، ثم ممارسة الحق وتطبيقاتها، وتنفيذ القانون والأمر الصادر عن السلطة المختصة، وأخيرًا الدفاع الشرعي بشروطه وآثاره وحالاته الخاصة.
أسباب التبرير هي:
حالات يقرر فيها القانون مشروعية فعل كان يمكن أن يدخل، في الظروف العادية، ضمن وصف جرمي.
فإذا قام سبب التبرير، انتفت عن الفعل صفة عدم المشروعية الجزائية.
وهذه النقطة جوهرية؛ لأن سبب التبرير لا يعني أن:
بل يعني أن الفعل نفسه يصبح مشروعًا في حدود السبب الذي أجازه القانون.
يجب عدم الخلط بين ثلاثة أنظمة قانونية مختلفة.
يتعلق بالفعل ذاته.
فالقتل دفاعًا مشروعًا عن النفس، إذا تحققت شروط الدفاع الشرعي، لا يبقى فعلًا غير مشروع ثم يعفى صاحبه، بل يكون الفعل مبررًا قانونًا.
قد يبقى الفعل غير مشروع، لكن لا يسأل الشخص جزائيًا لغياب الإدراك أو الاختيار أو لسبب آخر حدده القانون.
وسنبحث ذلك في المقال السابع.
يفترض في الأصل قيام الجريمة والمسؤولية، لكن المشرع يرتب أثرًا في العقوبة، كالإعفاء منها أو تخفيفها.
ولهذا يجب عدم مساواة الدفاع الشرعي الصحيح بـ تجاوز حدود الدفاع الشرعي؛ فالأول يبرر الفعل، أما الثاني فقد يترك الجريمة قائمة مع إمكان التخفيف أو الإعفاء وفق شروط القانون.
سبب التبرير يتعلق بمشروعية الفعل من الناحية الموضوعية.
فإذا كان الفعل مشروعًا قانونًا، فإن أثر التبرير لا يتحدد فقط بمشاعر الفاعل أو دوافعه الداخلية.
ويظهر ذلك بوضوح في الدفاع الشرعي:
إذا وجد اعتداء غير محق وحال، وكان الدفاع لازمًا وفي الحدود التي يجيزها القانون، فإن الفعل الدفاعي يكتسب المشروعية.
أما إذا لم يوجد اعتداء حقيقي أصلًا، فقد نكون أمام خطر وهمي أو غلط في الوقائع، وهي مسألة مختلفة عن قيام الدفاع الشرعي الموضوعي.
نصت المادة (59) من قانون العقوبات:
«الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة.»
ثم وسعت المادة (60) تطبيق مفهوم الحق إلى الدفاع عن النفس والمال ونفس الغير وماله، ونظمت كذلك حالة تجاوز الدفاع بحسن نية.
أما المادة (61)، فقد قررت عدم اعتبار الفعل جريمة إذا ارتكب:
«1- تنفيذا للقانون.
2- إطاعة لأمر صدر إليه من مرجع ذي اختصاص يوجب عليه القانون إطاعته إلا إذا كان الأمر غير مشروع.»
وجاءت المادة (62) لتقرر قاعدة عامة أخرى:
«لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة.»
ثم أوردت ثلاثة تطبيقات صريحة:
يقوم السبب الأول من أسباب التبرير على فكرة بسيطة:
من يستعمل حقًا قرره له القانون استعمالًا مشروعًا لا يرتكب جريمة لمجرد أن ممارسة الحق مست حقًا آخر.
لكن المادة (59) وضعت قيدًا أساسيًا:
«دون إساءة استعماله.»
إذن لا يكفي أن يقول الشخص:
«أنا صاحب حق».
بل يجب أن يكون:
يمكن استخلاص ثلاثة شروط أساسية.
لا يستطيع الشخص خلق حق لنفسه بمجرد الاعتقاد بأنه يستحقه.
بل يجب أن يستند الحق إلى:
إذا سمح القانون بفعل معين في نطاق محدد، لا يمتد الإذن إلى ما يتجاوز ذلك النطاق.
وهذا الشرط ورد صراحة في المادة (59).
فإذا تحول استعمال الحق إلى وسيلة لإحداث ضرر غير مبرر، فقد تنتفي الحماية التي يمنحها سبب التبرير.
أوردت المادة (62/2/أ) تطبيقًا مباشرًا، إذ أجازت:
«أنواع التأديب التي يوقعها الوالدان بأولادهم على نحو لا يسبب إيذاءً أو ضرراً لهم ووفق ما يبيحه العرف العام.»
والنص يضع قيودًا واضحة.
أولًا: الحق مقرر للوالدين.
ثانيًا: يجب أن يكون الفعل في إطار التأديب.
ثالثًا: يجب ألا يسبب:
رابعًا: يجب أن يكون ضمن ما يبيحه العرف العام.
إذن النص لا يمنح سلطة مفتوحة لاستعمال العنف ضد الطفل.
بل على العكس، قيد الإباحة صراحة بعدم حصول الإيذاء أو الضرر.
هذه نقطة مهمة؛ لأن الفهرس الأكاديمي للكتاب يتناول تحت موضوع التأديب عنوانًا يتعلق بتأديب الزوج لزوجته.
لكن عند الرجوع إلى النص الأردني الموجود في قانون العقوبات ضمن ملفات المشروع، نجد أن المادة (62/2/أ) تتحدث فقط عن:
«أنواع التأديب التي يوقعها الوالدان بأولادهم…»
ولا يتضمن النص إباحة مماثلة للزوج تجاه زوجته.
لذلك، ومن منظور القانون الأردني الذي نعتمده في هذا المقال، لا يجوز تقديم فكرة “حق الزوج في تأديب زوجته” باعتبارها سبب تبرير مقررًا في المادة (62).
وهذه من الحالات التي يجب فيها التمييز بين ما قد يناقش تاريخيًا أو فقهيًا في بعض المؤلفات وبين النص الأردني النافذ الذي ننشر الدراسة على أساسه.
تقرر المادة (62/2/ب) إباحة:
«أعمال العنف التي تقع أثناء الألعاب الرياضية إذا روعيت قواعد اللعب.»
والحكمة واضحة.
فبعض الألعاب تتضمن بطبيعتها احتكاكًا جسديًا قد يشكل، لو حدث خارج المجال الرياضي، إيذاءً أو اعتداءً.
مثل:
لكن الإباحة ليست مطلقة.
من النص يمكن استخلاص شرطين أساسيين.
فلا تمتد الإباحة إلى اعتداء يقع بعد انتهاء اللعب أو خارجه.
وهذا هو الشرط الحاسم.
فإذا تجاوز اللاعب قواعد اللعبة بصورة تخرج عن المخاطر المعتادة والمسموح بها، فقد لا يستطيع الاحتجاج بسبب التبرير.
إذن اللاعب يرضى بالمخاطر المشروعة الملازمة للعبة، وليس بأي اعتداء يرتكبه منافسه.
تنص المادة (62/2/ج) على إباحة:
«العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضى العليل أو رضا أحد والديه أو ممثله الشرعي أو في حالات الضرورة الماسة.»
وهذه قاعدة بالغة الأهمية.
فالطبيب يقوم بأفعال تمس جسم المريض، وقد تشمل:
ومع ذلك لا تعد هذه الأفعال إيذاءً جرميًا إذا تحققت شروط الإباحة.
ويكمل هذا الإطار في التشريع الأردني الحديث قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018، الذي صدر لتنظيم جوانب المسؤولية المهنية الطبية والصحية.
يظهر من المادة (62) ثلاثة شروط جوهرية.
أي يدخل في نطاق الممارسة الطبية التي يجيزها القانون.
وهذه عبارة بالغة الأهمية.
فالإباحة ليست مرتبطة بمجرد صفة الطبيب.
إذا خرج العمل عن الأصول الطبية والمهنية، فقد تزول الحماية بحسب طبيعة الواقعة.
يشترط النص:
رغم أن المادة (62) لم تستعمل في هذا الموضع لفظ «الترخيص» صراحة، فإن العمل الطبي لا ينظر إليه بمعزل عن التشريعات المنظمة لمزاولة المهنة.
فالشخص الذي لا يملك الصفة أو الترخيص القانوني لا يستطيع أن يستند ببساطة إلى المادة (62) ليبرر تدخلًا طبيًا غير مشروع.
ولهذا يجب قراءة المادة إلى جانب:
الرضا شرط أساسي في النص.
لكن الرضا لا يعني مجرد وجود توقيع شكلي.
بل يجب أن يصدر من الشخص صاحب الصفة القانونية في إعطائه، أو من ممثله وفق ما يسمح به القانون.
أما إذا كانت حالة المريض لا تسمح بالحصول على الرضا وكانت هناك ضرورة ماسة، فقد أجاز النص إجراء العمل الطبي دون انتظار الرضا.
وهذا يوازن بين:
حق الشخص في سلامة جسده وقراره الطبي، وبين ضرورة إنقاذ حياته أو صحته في الحالات العاجلة.
رغم أن المادة (62) تستخدم عبارة «العمليات الجراحية والعلاجات الطبية»، فإن طبيعة سبب التبرير تفترض أن يكون التدخل داخل الإطار الطبي المشروع.
فإذا استعمل شخص الأدوات الطبية لإيذاء آخر وليس لعلاجه، فلا يتحول الفعل إلى عمل مشروع لمجرد أن مرتكبه طبيب.
قد تكون الجراحة التجميلية عملًا طبيًا مشروعًا إذا توافرت الشروط القانونية والمهنية.
ولا يشترط أن يكون كل تدخل طبي لعلاج مرض قاتل حتى يدخل ضمن النشاط الطبي.
لكن الجراحة التجميلية تبقى خاضعة لـ:
ولا يمكن افتراض الإباحة لمجرد تسمية الإجراء «تجميليًا».
يجب التعامل مع الإجهاض بحذر قانوني شديد.
لا يجوز استخلاص قاعدة تقول إن كل إجهاض يعد علاجًا طبيًا مباحًا من المادة (62/2/ج).
فالمادة تضع قاعدة عامة للأعمال الطبية المشروعة، بينما الإجهاض موضوع تحكمه نصوص جزائية وتشريعات صحية خاصة.
ومن ثم فإن تحديد مشروعية إجراء معين لا يتم فقط بوجود طبيب ورضا المرأة، بل يجب أن يكون الإجراء نفسه مسموحًا به في القانون الأردني.
وهذه نقطة مهمة للغاية:
الرضا لا يبيح فعلًا يحظره القانون أصلًا.
نقل الدم من الأعمال العلاجية التي يمكن أن تدخل ضمن المادة (62/2/ج) إذا:
كما تخضع العملية للقواعد الصحية والتنظيمية الخاصة ببنوك الدم وسلامة التبرع والنقل.
الأمر نفسه ينطبق على نقل وزراعة الأعضاء.
فالمادة (62) توفر الأساس العام للعمل الطبي المشروع، لكن نقل الأعضاء يخضع كذلك إلى تنظيم خاص ولا يجوز الاستناد إلى الإباحة الطبية العامة لتجاوز:
وقد صدّق الأردن سنة 2020 على الاتفاقية العربية لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الاتجار فيها بالقانون رقم 13 لسنة 2020، بما يؤكد وجود تنظيم قانوني خاص لهذا المجال.
ينتقل قانون العقوبات في المادة (61) من ممارسة الحق إلى حالة أخرى:
«لا يعد جريمة الفعل المرتكب… تنفيذا للقانون.»
والمقصود أن الشخص الذي ينفذ حكمًا أو واجبًا فرضه القانون لا يرتكب جريمة لمجرد أن التنفيذ يمس بحق شخص آخر.
فمثلًا، استعمال القوة في الحالات التي يجيزها القانون من سلطة مختصة لا يقاس على الاعتداء العادي.
لكن الإباحة مرتبطة دائمًا بالقانون وحدوده.
لقيام هذا السبب يلزم:
فالشخص لا يستطيع الاحتجاج بتنفيذ القانون إذا قام بعمل لا يمنحه القانون سلطة القيام به.
أضافت المادة (61/2):
«إطاعة لأمر صدر إليه من مرجع ذي اختصاص يوجب عليه القانون إطاعته إلا إذا كان الأمر غير مشروع.»
ويتضح من النص وجود شروط مترابطة:
أولًا: وجود أمر.
ثانيًا: أن يصدر من مرجع ذي اختصاص.
ثالثًا: أن يكون المأمور ملزمًا قانونًا بإطاعته.
رابعًا: ألا يكون الأمر غير مشروع.
هذه العبارة تمنع فكرة خطيرة هي:
أن الطاعة تمحو المسؤولية دائمًا.
فالمادة صريحة في استثناء الأمر غير المشروع.
إذن لا يجوز للشخص أن يبرر أي فعل لمجرد القول:
«كنت أنفذ أوامر رئيسي».
بل يجب أن يكون الأمر داخل الإطار القانوني الذي يجيز إطاعته.
يناقش الفقه حالة الموظف الذي يعتقد أن الأمر مشروع ثم يتبين خلاف ذلك.
لكن النص الموجود في المادة (61) لا يقرر بصورة صريحة قاعدة عامة مستقلة تعفي كل من أخطأ في تقدير مشروعية الأمر.
ولهذا يجب بحث هذه الحالة وفق:
ولا يجوز تحويل «حسن النية» وحده إلى سبب تبرير غير منصوص عليه.
وهذا مثال آخر على ضرورة التمييز بين المناقشة الفقهية وبين الحكم الذي يقرره النص الأردني.
يمثل الدفاع الشرعي أهم صور ممارسة الحق.
وقد نصت المادة (60/1):
«يعد ممارسة للحق: كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس أو المال أو نفس الغير أو ماله.»
ومن هذا النص يمكن استخلاص عناصر الدفاع الشرعي:
الدفاع الشرعي ليس انتقامًا.
ولا يقوم على فكرة أن المعتدي «يستحق العقوبة» من المعتدى عليه.
بل أساسه:
حماية حق يتعرض لخطر غير مشروع في وقت لا تسمح فيه الظروف بالانتظار حتى تتدخل السلطات.
ولهذا ينتهي حق الدفاع بانتهاء الخطر.
فإذا انتهى الاعتداء ثم قام المعتدى عليه بالاعتداء على خصمه انتقامًا، لا نكون أمام دفاع شرعي.
وسع المشرع نطاق الدفاع.
فالمادة (60) تشمل:
وأضافت الفقرة الثانية:
«يستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي.»
وهذا يعني أن الحماية القانونية لا تقتصر على الإنسان الطبيعي، بل يمكن أن تمتد إلى مصالح وأموال الشخص المعنوي في الحدود التي تسمح بها طبيعة الحق.
لكي يقوم الدفاع الشرعي يجب أن توجد مجموعة من الشروط في الاعتداء نفسه.
وأهمها:
تشترط المادة (60) أن يكون التعرض غير محق.
إذن إذا كان الفعل الذي يواجهه الشخص مشروعًا قانونًا، فلا يجوز له مقاومته على أساس الدفاع الشرعي.
فمثلًا، لا يجوز للشخص من حيث الأصل استعمال القوة ضد تنفيذ إجراء قانوني صحيح فقط لأنه يرفضه.
أما إذا تجاوز منفذ القانون حدود سلطته بصورة تنشئ اعتداءً غير مشروع، فتحتاج الواقعة إلى تحليل مستقل.
لأن الدفاع الشرعي الأول فعل مشروع.
والاعتداء اللازم لقيام الدفاع يجب أن يكون غير محق.
فإذا كان الشخص الآخر يمارس دفاعًا شرعيًا صحيحًا، فإن فعله ليس اعتداءً غير مشروع، وبالتالي لا ينشأ في مواجهته دفاع شرعي جديد لمجرد مقاومة المدافع.
تستخدم المادة (60) عبارة:
«ضرورة حالية».
وهذا يعني أن الخطر يجب أن يكون:
أما الخطر المستقبلي البعيد فلا يبرر استعمال القوة الآن.
وكذلك الاعتداء الذي انتهى لا يسمح بإعادة إحياء حق الدفاع.
لا يشترط دائمًا انتظار تلقي الضربة الأولى.
فإذا أصبح الاعتداء وشيكًا بصورة جدية وكان الانتظار يؤدي إلى وقوع الضرر، قد تتحقق الحالية من الناحية القانونية.
لكن مجرد الخوف أو الشك غير المستند إلى وقائع لا يكفي.
وهنا تتولى المحكمة تقييم:
ينتهي الدفاع الشرعي عندما ينتهي الخطر.
فإذا فر المعتدي وانقطعت قدرته على الاستمرار في الاعتداء، ثم لحق به المعتدى عليه وقتله انتقامًا، فإن الواقعة الجديدة لا تستفيد تلقائيًا من الدفاع الشرعي.
إذن الدفاع مرتبط بـ الحاجة إلى دفع الخطر وليس بمعاقبة المعتدي.
قد يعتقد الشخص خطأ أنه يتعرض لاعتداء، بينما لا يوجد في الواقع خطر حقيقي.
هذه الحالة تسمى فقهيًا:
الدفاع الوهمي أو الخطر الوهمي.
ومن الناحية الموضوعية، لا تتحقق شروط المادة (60) إذا لم يوجد تعرض غير محق حقيقي.
لكن الاعتقاد الخاطئ قد تكون له آثار أخرى مرتبطة:
وسيتم تناول الغلط تفصيلًا عند دراسة الركن المعنوي في المقال السادس.
إذا صدر الخطر عن حيوان بصورة طبيعية دون أن يستعمله شخص كأداة اعتداء، فإن الحالة لا تنطبق بسهولة على مفهوم الدفاع الشرعي ضد اعتداء شخص كما ورد تفصيله في المادة (341).
والأدق أن يبحث السلوك في ضوء قواعد الضرورة أو القواعد الأخرى الملائمة بحسب الواقعة.
أما إذا استخدم شخص الحيوان وسيلة للاعتداء، فقد يصبح الخطر منسوبًا إلى فعل إنساني غير مشروع، ويختلف التحليل.
لا يجوز مقاومة موظف لمجرد أنه يستعمل سلطة قانونية لا ترضي الشخص المعني.
لكن إذا انحرف الفعل عن الإطار القانوني وتحول إلى اعتداء غير مشروع، فإن وصف الواقعة يتوقف على:
ومن ثم لا توجد قاعدة تقول إن أفعال الموظفين مبررة دائمًا أو أن مقاومتهم مشروعة دائمًا؛ العبرة بمشروعية الفعل وظروف الواقعة.
ليس كل رد على اعتداء مشروعًا.
بل يجب أن يكون فعل الدفاع نفسه:
وهاتان الفكرتان تظهران بوضوح في المواد (60) و(341).
يقصد باللزوم ألا تكون هناك وسيلة أخرى معقولة لدفع الخطر غير استخدام القوة التي لجأ إليها المدافع.
وقد نصت المادة (341/1/ج)، في حالة القتل أو الجرح دفاعًا عن النفس أو العرض، على:
«أن لا يكون في استطاعة المعتدى عليه التخلص من هذا الاعتداء إلا بالقتل أو الجرح أو الفعل المؤثر.»
إذن استخدام أخطر وسائل القوة لا يباح إذا كان بالإمكان دفع الاعتداء بوسيلة أخف تكفي لإيقافه.
لا يضع قانون العقوبات في المادة (341) قاعدة عامة مجردة تقول إن على المعتدى عليه دائمًا أن يهرب.
بل المعيار الذي وضعه هو:
هل كان يستطيع التخلص من الاعتداء بغير القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر؟
ومن ثم تتحدد المسألة بحسب ظروف الواقعة.
فاللجوء إلى القوة لا يكون مشروعًا إذا كانت هناك وسيلة عملية وأقل ضررًا لدفع الخطر، لكن لا ينبغي تحويل ذلك إلى شرط جامد يسمى «واجب الهرب» في كل الحالات.
الأصل أن يوجه فعل الدفاع إلى المعتدي.
فإذا أصاب المدافع شخصًا بريئًا لا علاقة له بالهجوم، تثور مسألة مستقلة تتعلق:
ولا تمتد إباحة الدفاع تلقائيًا إلى الاعتداء على أشخاص لا يمثلون مصدر الخطر.
التناسب يعني ألا يستخدم المدافع قوة تتجاوز بصورة غير لازمة ما يقتضيه دفع الخطر.
ولا يعني التناسب مساواة حسابية بين:
بل ينظر إلى ظروف الواقعة كلها:
أوردت المادة (341/1) صورة خاصة:
يعد دفاعًا مشروعًا قتل المعتدي أو جرحه أو ارتكاب فعل مؤثر دفاعًا عن:
لكن بشرط:
وهذه الشروط يجب أن تتحقق مجتمعة.
خصصت المادة (341/2) حكمًا أدق للدفاع عن المال.
فلا يباح القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر دفاعًا عن المال في كل سرقة عادية.
وإنما نصت المادة على حالات محددة، أهمها:
مع اشتراط عدم إمكان دفع السارقين أو الناهبين واسترداد المال بوسيلة غير القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر.
إذن حماية المال لا تعطي صاحب المال حقًا مطلقًا في استعمال القوة القاتلة.
تجيز المادة (60) الدفاع عن مال الغير بصورة عامة.
لكن المادة (341/2) تستخدم عبارة:
«مال غيره الذي هو في حفظه»
في سياق الصورة المشددة التي قد يصل فيها الدفاع إلى القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر.
لذلك يجب التمييز بين:
المبدأ العام في المادة (60) وبين الشروط الخاصة لاستخدام القوة الجسيمة في المادة (341).
وضع المشرع حالة خاصة لحماية المسكن.
فنصت المادة (342) على اعتبار القتل أو الجرح أو أي فعل مؤثر دفاعًا مشروعًا لحماية:
من اعتداء شخص يدخل أو يحاول الدخول، ليلًا أو نهارًا، إلى بيت سكن بوسائل عدوانية حددها النص.
ومن هذه الصور:
المادة (342) توفر حماية خاصة لحرمة المسكن.
واللافت أنها لا تقتصر على الدخول ليلًا، بل تقول صراحة:
«ليلًا أو نهارًا».
إذن لا يصح اختزال هذه الحالة في فكرة «دخول المنزل ليلًا» فقط.
كما أن النص يتطلب صورًا محددة من الدخول أو محاولة الدخول العدواني.
يعرض بعض الفقه الموضوع باعتباره قرينة على قيام الدفاع الشرعي.
لكن النص الأردني نفسه يقول:
«يعد دفاعًا مشروعًا…»
ولا يصف الحالة صراحة بأنها قرينة، كما لا يتضمن في عبارته حكمًا عامًا يقول إنها «قرينة لا تقبل إثبات العكس».
لذلك، في مقال قانوني منشور، الأدق أن نقول:
المادة (342) تنشئ حالة خاصة يعتبر فيها المشرع الفعل دفاعًا مشروعًا متى تحققت الوقائع والشروط التي عددها النص.
وهذا أدق من إضافة وصف للقاعدة لا يظهر في صياغة القانون نفسه.
نصت المادة (60/2) صراحة:
«يستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي.»
والشخص المعنوي لا يملك «جسدًا» أو «عرضًا» بالمعنى المادي، لكن النص يؤكد إمكان امتداد الحماية إلى مصالحه وماله في الحدود التي تلائم طبيعته.
وهذا مهم بالنسبة إلى:
سبب التبرير يقوم أساسًا على وجود واقعة دفاع موضوعية.
لكن سلوك المدافع يجب أن يكون موجهًا لدفع الاعتداء لا إلى استغلاله كذريعة للانتقام.
ويظهر هذا من صياغة المادة (60):
«لدفع تعرض…»
ومن المادة (341):
«دفاعًا عن…»
فإذا كان الاعتداء انتهى وأصبح الهدف الانتقام، خرج الفعل عن نطاق الدفاع.
إذا تحققت شروط الدفاع الشرعي بالكامل:
لا يعد الفعل جريمة.
وهذه النتيجة تستند مباشرة إلى المادتين (59) و(60).
وبالتالي فالمدافع لا يستفيد من مجرد تخفيف العقوبة، بل تنتفي عن فعله الصفة الجرمية في حدود ما كان لازمًا ومشروعًا للدفاع.
قد يوجد اعتداء حقيقي ويكون للمدافع أصلًا حق في الدفاع، لكنه يستخدم قوة تزيد على القدر اللازم.
هذه هي حالة تجاوز الدفاع الشرعي.
وقد نظمها المشرع في المادة (60/3).
فنص على أنه إذا وقع التجاوز:
جاز للقاضي:
إعفاؤه من العقوبة أو تخفيفها وفق النص.
هذا الفرق جوهري.
الفعل مشروع ولا يعد جريمة.
أصل الدفاع موجود، لكن المدافع تخطى الحدود اللازمة.
لذلك لا يصبح كل الفعل مشروعًا تلقائيًا، وإنما يرتب القانون أثرًا خاصًا على العقوبة في حالة حسن النية والشروط التي حددتها المادة.
تنص المادة (60/3) في الملف التشريعي على إمكان الإعفاء أو التخفيف:
«وفق شروط العذر المخفف المنصوص عليه في المادة (98) من هذا القانون.»
أما المادة (98) في النص الموجود بالملف فتتناول العذر المخفف المتعلق بسورة الغضب الشديد الناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه، مع القيد الخاص الوارد في فقرتها الثانية.
ولهذا، عند التطبيق العملي، يجب قراءة الإحالة التشريعية كما وردت في النص الحالي وعدم إعادة صياغتها فقهيًا بما يغير مضمونها.
المشرع لم يمنح هذه المعاملة لكل من تجاوز الحدود.
بل اشترط حسن النية.
فإذا كان الشخص يعلم أن الخطر انتهى ثم تعمد إحداث أذى إضافي انتقامًا، يصعب إدخال فعله ضمن صورة التجاوز بحسن نية التي عالجتها المادة (60/3).
لا يكفي أن يقول المتهم:
«كنت أدافع عن نفسي».
بل على المحكمة أن تتحقق من الوقائع الثابتة في الدعوى، ومنها:
والدفاع الشرعي من المسائل التي تستخلص من الوقائع والأدلة وليس من التسمية التي يعطيها أحد الأطراف للحادث.
قد يكون أصل الدفاع مشروعًا، لكن المدافع يخطئ فيصيب شخصًا غير المعتدي.
وهنا يجب التفريق بين:
وتبحث مسؤولية المدافع عن إصابة الشخص الآخر في ضوء:
ولا يكفي القول إن أصل الواقعة كان دفاعًا شرعيًا لإباحة كل نتيجة تصيب أي شخص.
يجب التمييز بين الدفاع الشرعي وحالة الضرورة.
الدفاع الشرعي يفترض في الأصل خطرًا ناشئًا عن اعتداء غير مشروع.
أما الضرورة فقد تنشأ عن خطر لا يرتبط باعتداء إنساني مباشر، مثل بعض الكوارث أو الأخطار الطبيعية.
وسيتناول المقال السابع حالة الضرورة ضمن موانع المسؤولية في الإطار الذي ينظمه القانون الأردني.
يحاول شخص مهاجمة آخر بسكين بصورة فورية.
يحاول المعتدى عليه الابتعاد، لكن المعتدي يستمر ويصبح الخطر حالًا ولا توجد وسيلة عملية أخرى لوقف الهجوم.
إذا استعمل المعتدى عليه القوة اللازمة لوقف الخطر، تبحث الواقعة في إطار المادة (341/1).
وتسأل المحكمة:
تشاجر شخصان، ثم انتهى الشجار وغادر المعتدي.
بعد ساعة، بحث عنه الشخص الآخر واعتدى عليه.
لا يمكن في هذه الصورة، من حيث الأصل، وصف الاعتداء الثاني بأنه دفاع شرعي؛ لأن:
الخطر لم يعد حالًا، وتحول السلوك إلى فعل جديد.
يحاول شخص سرقة مال دون استعمال عنف وبطريقة يمكن منعها بسهولة دون إيذائه.
لا تعني ملكية المال أن لصاحبه الحق تلقائيًا في قتل السارق.
فالمادة (341/2) وضعت شروطًا خاصة لاستعمال القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر عند الدفاع عن المال.
إذا حاول شخص اقتحام منزل بكسر الباب أو تسلق السور بالصورة التي وصفتها المادة (342)، فإن المشرع قرر حالة خاصة يعتبر فيها الفعل المتخذ لحماية النفس أو العرض أو المال دفاعًا مشروعًا وفق شروط النص.
وتختلف هذه الحالة عن مجرد دخول عادي أو وجود شخص في مكان دون تحقق الصور المحددة في المادة.
عند عرض أي واقعة، من الأفضل اتباع التسلسل الآتي:
وهذا المنهج يمنع الخلط بين الحالات المتشابهة ظاهريًا.
يمكن تلخيص النظام الأردني في أربع قواعد مركزية:
المادة 59: ممارسة الحق.
المادة 60: الدفاع عن النفس والمال والغير وتجاوز الدفاع بحسن نية.
المادة 61: تنفيذ القانون وإطاعة الأمر المشروع.
المادة 62: الأفعال التي يجيزها القانون، وخاصة تأديب الأولاد والألعاب الرياضية والعمل الطبي.
ثم تأتي:
المادة 341: الأحكام الخاصة للدفاع عن النفس والعرض والمال.
المادة 342: الحالة الخاصة المتعلقة بحماية المسكن.
وهذه النصوص يجب قراءتها معًا لا منفصلة.
يقوم نظام أسباب التبرير في قانون العقوبات الأردني على قاعدة جوهرية مفادها أن الفعل الذي يجيزه القانون لا يعد جريمة.
وقد جسدت المادة (59) هذا الأصل في ممارسة الحق، بينما جعلت المادة (60) الدفاع عن النفس والمال والغير من صور ممارسة الحق متى كان هناك تعرض غير محق وحال وكان الدفاع ضروريًا.
أما المادة (61) فأخرجت من دائرة التجريم الفعل المرتكب تنفيذًا للقانون أو تنفيذًا لأمر مشروع صادر عن مرجع مختص يوجب القانون إطاعته، دون أن تجعل طاعة الأمر غير المشروع سببًا للإباحة.
ونظمت المادة (62) ثلاث تطبيقات مهمة: تأديب الوالدين لأولادهما ضمن حدود لا تسبب الإيذاء أو الضرر، والأعمال الرياضية في حدود قواعد اللعب، والعمليات الجراحية والعلاجات الطبية وفق أصول الفن والرضا أو الضرورة.
ويجب التأكيد على أن النص الحالي لا يقرر حقًا للزوج في تأديب زوجته، رغم ورود هذا الموضوع في بعض التقسيمات الفقهية؛ ولذلك لم نعتمده كسبب تبرير في القانون الأردني.
وفي مجال الدفاع الشرعي، وضع المشرع شروطًا صارمة لاستعمال القوة، وخاصة إذا بلغت القتل أو الجرح، وميز بين الدفاع الكامل الذي يجعل الفعل مشروعًا وبين تجاوز الدفاع بحسن نية الذي قد يؤدي إلى التخفيف أو الإعفاء وفق المادة (60/3).
كما خصّ حرمة المسكن بحماية إضافية في المادة (342)، التي تعد من أهم صور الدفاع المشروع الخاصة في قانون العقوبات الأردني.
وبذلك فإن أسباب التبرير لا تشكل استثناءً عامًا يسمح باستعمال القوة متى رأى الشخص ذلك مناسبًا، بل هي نظام قانوني دقيق ومقيد بشروط النص، والغاية منه تحقيق التوازن بين حماية الحقوق ومنع تحول الدفاع أو ممارسة الحق إلى اعتداء جديد.
«الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة.»
تنظم الدفاع باعتباره ممارسة للحق، وتشمل الدفاع عن النفس والمال ونفس الغير وماله، وتقرر المساواة في الحماية بين الشخص الطبيعي والمعنوي، كما تنظم تجاوز الدفاع بحسن نية.
تقرر عدم اعتبار الفعل جريمة إذا ارتكب:
تقرر أن الفعل الذي يجيزه القانون لا يعد جريمة، وتذكر:
تنظم بصورة خاصة الدفاع عن:
وتضع شروط استخدام القتل أو الجرح أو الفعل المؤثر.
تنظم حالة خاصة للدفاع عن النفس أو العرض أو المال عند الدخول أو محاولة الدخول إلى بيت السكن بالوسائل التي حددها النص.
وردت إليها الإحالة في المادة (60/3) فيما يتعلق بتجاوز الدفاع بحسن نية، وتتضمن في النص الموجود في ملف قانون العقوبات أحكام العذر المخفف الواردة فيها.
راجع معنا مادة قانون العقوبات


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!