الركن المادي والشروع في الجريمة في القانون الأردني
بواسطة Ashraf Nsour/سبتمبر 25, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on الركن المادي والشروع في الجريمة في القانون الأردني

يمثل الركن المادي للجريمة المظهر الخارجي الذي يخرج به النشاط الإجرامي من نطاق التفكير الداخلي إلى عالم الواقع. فلا يكفي، من حيث الأصل، أن يفكر الشخص في ارتكاب جريمة أو أن يعزم عليها، بل يجب أن يظهر نشاط يمكن أن يدخل في نطاق التجريم الذي حدده القانون.
وتختلف الجرائم من حيث تركيبها المادي؛ فبعضها يقوم بمجرد السلوك الذي جرمه المشرع، بينما يتطلب بعضها الآخر نتيجة جرمية محددة ووجود رابطة سببية بينها وبين سلوك الفاعل.
وفي المسافة الواقعة بين التفكير بالجريمة وتمامها تظهر نظرية الشروع، وهي من أكثر موضوعات القسم العام أهمية؛ لأنها تحدد اللحظة التي يبدأ عندها تدخل القانون الجزائي بالعقاب قبل اكتمال الجريمة.
وقد نظم المشرع الأردني الشروع في المواد (68–71) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، فميز بين الشروع الذي لم يستنفد فيه الفاعل جميع الأفعال اللازمة لإتمام الجريمة وبين الحالة التي تتم فيها الأفعال التنفيذية كلها ثم تخيب النتيجة لأسباب خارجة عن إرادته، ونظم أثر العدول الاختياري وعقاب الشروع في الجنايات والجنح.
ويضاف إلى ذلك موضوع علاقة السببية، التي تكتسب أهمية خاصة في جرائم النتيجة، وكذلك الجريمة المستحيلة التي تثير التساؤل عن مدى العقاب عندما يتجه الجاني إلى ارتكاب الجريمة لكنها تكون غير قابلة للتحقق بسبب وسيلة أو محل أو ظرف يجعل إتمامها مستحيلًا.
يمكن تعريف الركن المادي بأنه:
المظهر الخارجي الملموس للنشاط الذي يجرمه القانون، بما قد يتضمنه بحسب طبيعة الجريمة من سلوك ونتيجة وعلاقة سببية.
فالقاعدة الأساسية أن القانون الجنائي لا يعاقب الإنسان لمجرد:
ما لم تتحول هذه الحالة الداخلية إلى نشاط يدخل في نطاق النص الجزائي.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين:
في الجرائم التي تتطلب نتيجة، يتكون الركن المادي عادة من ثلاثة عناصر:
لكن ليس من اللازم أن تجتمع هذه العناصر بالصورة نفسها في جميع الجرائم.
فقد توجد جرائم يعاقب فيها المشرع على مجرد ارتكاب السلوك، دون اشتراط تحقق نتيجة مادية مستقلة.
السلوك الإجرامي هو النشاط الخارجي الذي يصدر عن الفاعل ويقع تحت طائلة النص الجزائي.
وقد يكون:
فعلًا إيجابيًا، أو امتناعًا عندما يكون القانون قد أوجب على الشخص القيام بعمل معين.
والسلوك هو نقطة البداية في بناء الركن المادي؛ إذ لا تقوم جريمة بغير نشاط يمكن إسناده إلى الإنسان.
يتمثل السلوك الإيجابي في حركة أو نشاط مادي يصدر عن الفاعل.
ومن أمثلته بصورة عامة:
والعبرة ليست بالشكل الخارجي للفعل فقط، بل بانطباق عناصر النص الجزائي عليه.
فالفعل ذاته قد يكون مشروعًا في ظرف، ومجرمًا في ظرف آخر.
قد تقوم الجريمة بالامتناع عندما يكون الشخص ملزمًا قانونًا بفعل معين ثم يمتنع عنه.
ولا يكفي مجرد عدم القيام بفعل حتى تقوم الجريمة؛ بل يجب أن يوجد واجب قانوني يلزم الشخص بالقيام به.
فإذا لم يكن هناك واجب يقرره القانون أو مركز قانوني يفرض التدخل، فلا يجوز إنشاء جريمة امتناع بالقياس.
ولهذا يرتبط التجريم بطريق الامتناع ارتباطًا وثيقًا بمبدأ الشرعية.
النتيجة هي الأثر الذي يترتب على السلوك في الجرائم التي يشترط فيها القانون تحقق نتيجة معينة.
وقد تفهم من زاويتين:
أي التغيير الذي يحدث في العالم الخارجي.
مثل:
وهو الاعتداء على المصلحة التي يحميها القانون.
مثل الاعتداء على:
لا.
فهناك جرائم يكتمل ركنها المادي بمجرد النشاط الذي يحدده القانون، حتى لو لم يترتب عليه أثر مادي مستقل بالمعنى التقليدي.
ولهذا يميز الفقه عادة بين:
جرائم السلوك وجرائم النتيجة.
ولا ينبغي تطبيق فكرة السببية بنفس الطريقة على النوعين؛ فعلاقة السببية تصبح ذات أهمية مركزية عندما يشترط النص نتيجة يجب نسبتها إلى فعل المتهم.
علاقة السببية هي الصلة التي تسمح بإسناد النتيجة الجرمية إلى سلوك الفاعل.
فإذا وقعت نتيجة ضارة، لا يكفي إثبات أن الشخص قام بفعل سابق عليها زمنيًا، بل يجب أن يكون الفعل مرتبطًا بها ارتباطًا يسمح قانونًا بإسناد النتيجة إليه.
وهذا واضح في جرائم مثل:
تؤدي السببية وظيفتين أساسيتين.
الأولى أنها تمنع تحميل الشخص نتيجة لم يكن سلوكه سببًا فيها.
والثانية أنها تحدد نطاق النتيجة التي يمكن إسنادها إليه جزائيًا.
فقد يقوم شخص باعتداء، ثم تتدخل عوامل أخرى لاحقة.
وهنا يثور السؤال:
هل بقي فعل الجاني سببًا قانونيًا في النتيجة أم انقطعت العلاقة؟
تبدو السببية سهلة في بعض الوقائع.
إذا أطلق شخص النار على آخر فأرداه قتيلًا مباشرة، قد يكون تحديد العلاقة واضحًا.
لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتعدد الأسباب.
مثلًا:
وهنا ظهرت نظريات فقهية متعددة لتفسير السببية.
ترى هذه النظرية أن جميع العوامل التي ساهمت في النتيجة تعتبر أسبابًا لها ما دام يمكن القول إن النتيجة لم تكن لتقع بالصورة نفسها لولا كل منها.
وتتميز بأنها توسع دائرة السببية.
لكن يوجه إليها انتقاد أنها قد تؤدي إلى إسناد النتيجة إلى عوامل بعيدة جدًا عن الحدث.
تبحث هذه النظرية فيما إذا كان الفعل بحسب السير العادي للأمور صالحًا عادة لإحداث النتيجة.
فلا تعد كل الظروف العرضية غير المألوفة أسبابًا قانونية مساوية للفعل الأصلي.
وهذا الاتجاه يحاول التمييز بين:
يركز هذا الاتجاه على العامل الذي كان له الدور الأقرب أو الأكثر تأثيرًا في إنتاج النتيجة.
لكن الصعوبة تكمن في تحديد متى يصبح سبب ما «أقوى» من غيره.
ولهذا لا يمكن اختزال كل مسائل السببية في قاعدة ميكانيكية واحدة.
ينظر اتجاه آخر إلى السبب الأخير الذي أدى مباشرة إلى النتيجة.
لكن هذه الفكرة قد تكون قاصرة أيضًا؛ لأن وجود سبب لاحق لا يعني دائمًا أن السبب الأول فقد أثره القانوني.
لا يضع قانون العقوبات الأردني في القسم العام نصًا نظريًا شاملًا يقول إنه يتبنى واحدة من النظريات الفقهية السابقة في جميع الجرائم.
لكن القانون عالج مسألة تعدد الأسباب بصورة خاصة في جرائم القتل والإيذاء في المادة (345).
فقد نص على أنه إذا كان الموت أو الإيذاء المقصود نتيجة:
فإن ذلك يؤثر في العقوبة وفق الأحكام التي حددها النص.
وهذه المادة مهمة؛ لأنها تثبت أن المشرع الأردني لم يتجاهل مشكلة تدخل الأسباب الخارجية في النتيجة.
المادة (345) لا تعني أن كل سبب سابق أو لاحق يقطع السببية تلقائيًا.
بل تشترط خصائص محددة، ومنها:
ثم رتبت أثرًا خاصًا في العقوبة.
ومن ثم فإن تحليل السببية في القانون الأردني يجب أن يكون مرتبطًا بالنص الخاص بكل جريمة، ولا يجوز تحويل نظرية فقهية واحدة إلى قاعدة تشريعية مطلقة لم ينص عليها القانون.
تمر الجريمة عادة بمراحل متدرجة:
ولا يعاقب القانون جميع هذه المراحل على قدم المساواة.
ويبدأ التنظيم العام للشروع في قانون العقوبات الأردني من البدء في التنفيذ.
عرفت المادة (68) الشروع بأنه:
«البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة…»
وهذا النص يضع الحد الفاصل بين:
يمكن استخلاص ثلاثة أركان رئيسية من المادة (68):
أي الانتقال من التحضير إلى فعل تنفيذي ظاهر يتجه مباشرة نحو الجريمة.
فالشروع يفترض جريمة مقصودة يسعى الفاعل إلى تحقيقها.
فإذا لم تتم الجريمة لأن الفاعل عدل عنها بإرادته، تتغير النتيجة القانونية وفق المادة (69).
حسمت المادة (69) الأمر بقولها:
«لا يعتبر شروعا في جريمة مجرد العزم على ارتكابها…»
إذن:
لا تكفي وحدها لقيام الشروع.
وهذه نتيجة مباشرة لمبدأ أن القانون الجزائي يعاقب على السلوك الخارجي وليس مجرد الأفكار.
أضافت المادة (69):
«…ولا الأعمال التحضيرية.»
والعمل التحضيري هو النشاط الذي يهيئ وسائل الجريمة أو ظروفها دون أن يدخل بعد في التنفيذ المباشر.
مثل:
لكن يجب الانتباه إلى أن بعض الأعمال التحضيرية قد تكون جرائم مستقلة بذاتها إذا جرمها القانون بنص خاص.
وهنا لا يعاقب الشخص لأنها شروع، بل لأنها جريمة قائمة مستقلة.
هذه من أصعب مسائل الشروع.
فالفاصل بين التحضير والتنفيذ لا يكون دائمًا واضحًا.
وقد ظهرت اتجاهات فقهية متعددة.
يضيق مفهوم البدء في التنفيذ ويبحث عن فعل يدخل مباشرة في الركن المادي للجريمة أو يتصل به اتصالًا وثيقًا.
يعطي أهمية أكبر لدلالة السلوك على نية الجاني وخطورة مشروعه الإجرامي.
المشرع الأردني لم يستخدم عبارة «كل فعل يكشف نية الجاني».
بل قال:
«البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة.»
وهذه الصياغة تجمع عنصرين:
إذن لا تكفي النية وحدها، ويجب أن يوجد فعل تنفيذي ظاهر مرتبط بالمشروع الجرمي.
الشروع يفترض اتجاه إرادة الجاني إلى إتمام الجريمة.
فإذا لم يكن الشخص يقصد الجريمة التامة أصلًا، يصعب تصور شروع فيها.
ولهذا يرتبط الشروع بالجرائم المقصودة.
ولا تقوم فكرة الشروع في الجريمة غير المقصودة بالصورة التقليدية؛ لأن الخطأ يعني أن النتيجة لم تكن مقصودة أصلًا.
قد يكون الفعل التنفيذي الواحد قابلًا لأكثر من تفسير.
فمثلًا حمل أداة أو دخول مكان لا يكشف وحده بالضرورة ما إذا كان الشخص يقصد:
ولهذا يجب إثبات القصد الجرمي الخاص بالمشروع الإجرامي من خلال الوقائع والأدلة.
يظهر من المادة (68) ما يعرف فقهيًا بـ الشروع الناقص أو الجريمة الموقوفة.
وهو الحالة التي:
مثل أن يبدأ تنفيذ الجريمة ثم يتم القبض عليه قبل استكمال الأفعال الضرورية.
حددت المادة (68) العقوبة على النحو الآتي، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك:
إذا كانت عقوبة الجناية التامة الإعدام:
الأشغال المؤبدة أو المؤقتة من سبع سنوات إلى عشرين سنة.
وإذا كانت العقوبة الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد:
خمس سنوات من ذات العقوبة على الأقل.
أما أي عقوبة مؤقتة أخرى:
فيحط منها من النصف إلى الثلثين.
وهذه الأحكام تتعلق بالشروع الذي عالجته المادة (68)، أي الحالة التي لم يتم فيها الفاعل جميع الأفعال اللازمة.
المادة (70) تعالج صورة مختلفة.
فهي تفترض أن:
الأفعال اللازمة لإتمام الجريمة قد تمت، لكن الجريمة المقصودة لم تتم بسبب مانع لا دخل لإرادة الفاعل فيه.
وهذه هي الصورة التي يعرفها الفقه عادة بـ:
الشروع التام أو الجريمة الخائبة.
الفارق الأساسي هو مدى استنفاد الفاعل للنشاط التنفيذي.
لم يتم الفاعل جميع الأفعال التي كان يعتقد أنها لازمة لإتمام الجريمة.
قام بكل الأفعال اللازمة بحسب مشروعه، لكن النتيجة لم تقع بسبب خارجي.
مثال تحليلي:
إذا أوقف شخص قبل أن يتمكن من إطلاق النار، قد نكون أمام شروع ناقص.
أما إذا أطلق النار قاصدًا القتل لكن لم يصب المجني عليه أو نجا المجني عليه بسبب العلاج، فقد نكون أمام الصورة التي تعالجها المادة (70)، وفق ظروف الواقعة.
وضعت المادة (70) عقوبات أشد نسبيًا من المادة (68)، لأن الفاعل استنفد نشاطه التنفيذي.
فنصت، بحسب النص الموجود في ملف قانون العقوبات، على درجات مختلفة تبعًا لعقوبة الجريمة التامة، ومنها:
وبالتالي فالمشرع يميز في مقدار العقوبة بين من أوقف قبل استكمال نشاطه ومن أتم نشاطه ولم تتحقق النتيجة.
هذه الفكرة مشتركة في المادتين (68) و(70).
فالشروع المعاقب عليه يفترض أن فشل المشروع لم يكن بسبب قرار إرادي حر من الفاعل بالرجوع.
ومن أمثلة الأسباب الخارجية:
أما إذا رجع الفاعل بإرادته، يطبق نظام مختلف.
نصت المادة (69) على:
«وكل من شرع في فعل ورجع باختياره عن أفعال الجرم الإجرائية لا يعاقب إلا على الفعل أو الأفعال التي اقترفها إذا كانت تشكل في حد ذاتها جريمة.»
إذن المشرع يشجع الجاني على وقف مشروعه قبل إتمامه.
فإذا كان الرجوع اختياريًا، لا يعاقب على الشروع ذاته، لكن تبقى المسؤولية عن أي أفعال مستقلة ارتكبها.
يشترط أن يكون الرجوع:
فإذا توقف لأنه:
فهذا في الأصل ليس عدولًا اختياريًا، بل فشل بسبب خارجي.
العدول الاضطراري هو التوقف الذي تفرضه ظروف خارجة عن إرادة الجاني.
وهذه الصورة لا تؤدي إلى الاستفادة من حكم المادة (69)، لأن الجاني لم يتراجع باختياره الحقيقي.
وفي هذه الحالة يمكن أن يبقى الشروع قائمًا إذا اكتملت شروطه.
المادة (69) هي الصورة الأكثر وضوحًا للعدول في الشروع الناقص.
فالجاني لم يكمل الأفعال، ثم توقف بإرادته.
إذا كان توقفه اختياريًا:
لا يعاقب على الشروع، وإنما فقط على الأفعال المستقلة التي ارتكبها إذا كانت تشكل جرائم قائمة.
تثير المادة (70/3) حالة أكثر دقة.
فقد نصت على:
«تخفض العقوبات المذكورة في هذه المادة حتى الثلثين إذا عدل الفاعل بمحض إرادته دون إتمام الجريمة التي اعتزمها.»
وهذا يعني أن المشرع فرق بين:
شخص وضع مادة قاتلة بقصد قتل آخر، ثم ندم بعد ذلك وسارع بإزالة المادة أو إنقاذ المجني عليه قبل تحقق الوفاة.
من الناحية الفقهية، يسمى هذا أحيانًا العدول الفعال.
وتحديد أثره في القانون الأردني يتوقف على المرحلة التي وصل إليها التنفيذ وعلى مدى انطباق المادة (70/3) وظروف الواقعة.
ولا يجوز مساواة هذه الحالة تلقائيًا بالرجوع البسيط قبل استكمال التنفيذ.
حتى إذا استفاد الفاعل من حكم العدول، لا تمحى الجرائم التي اكتملت بالفعل.
مثال:
إذا اقتحم منزلًا بنية ارتكاب جريمة أخرى ثم عدل عنها، فقد يبقى مسؤولًا عن جرم مستقل اكتملت عناصره بسبب الاقتحام إذا كان القانون يجرمه.
وهذا ما تقرره المادة (69) بقولها إنه يعاقب على الأفعال التي اقترفها إذا كانت تشكل بذاتها جريمة.
المادة (68) تضع قاعدة عامة لعقاب الشروع في الجناية.
أي أن الشروع في الجناية يعاقب عليه في الأصل وفق النص، ما لم يوجد حكم خاص يخالف ذلك.
وهذه النقطة تختلف عن الجنحة.
نصت المادة (71/1):
«لا يعاقب على الشروع في الجنحة إلا في الحالات التي ينص القانون عليها صراحة.»
إذن الأصل هو:
لا عقاب على الشروع في الجنحة.
والاستثناء:
أن يوجد نص خاص يقرر العقاب.
إذا نص القانون على معاقبة الشروع في جنحة، تقرر المادة (71/2) أن العقوبة تكون:
«بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها فيما لو تمت فعلًا ما لم ينص القانون على غير ذلك.»
وهذه قاعدة مهمة عند حساب عقوبة أي شروع في جنحة.
المواد (68–71) تتحدث عن:
ولا تنص على الشروع في المخالفة.
ومن ثم لا يوجد في هذا التنظيم العام أساس لمعاقبة الشروع في المخالفة.
وهذا ينسجم مع انخفاض جسامة هذا النوع من الجرائم.
الجريمة الخائبة هي صورة يتم فيها الفاعل ما اعتقد أنه لازم لوقوع الجريمة، لكن النتيجة لا تتحقق.
مثال تقريبي:
من يطلق النار بقصد القتل ولكن الرصاصة لا تصيب المجني عليه.
هنا المشروع الإجرامي كان ممكنًا من حيث الأصل، والفاعل استنفد نشاطه، لكن النتيجة خابت.
وهذه الصورة تندرج فقهيًا في نطاق المادة (70) متى توافرت شروطها.
الجريمة المستحيلة تختلف عن الجريمة الخائبة.
ففي الجريمة المستحيلة تكون النتيجة التي يقصدها الجاني غير قابلة للتحقق في الظروف القائمة.
وقد يكون سبب الاستحالة:
مثال فقهي:
من يطلق النار على شخص يعتقد أنه حي بينما كان قد توفي قبل ذلك.
أو من يستخدم مادة يعتقد أنها سامة بينما هي غير قادرة أصلًا على إحداث النتيجة.
المواد (68–71) التي تنظم الشروع لا تستخدم اصطلاح «الجريمة المستحيلة» صراحة في النص الموجود ضمن ملفات المشروع.
ولذلك يجب أن نميز بين أمرين:
النص التشريعي: ينظم البدء في التنفيذ، عدم تمام الجريمة لأسباب خارجة عن الإرادة، وإتمام الأفعال دون تحقق الجريمة المقصودة.
التحليل الفقهي: يبحث ما إذا كانت بعض صور الاستحالة تدخل ضمن مفهوم الشروع أم تخرج منه.
وهذا موضوع فقهي وقضائي دقيق، وليس نصًا تشريعيًا مستقلًا بعنوان الجريمة المستحيلة.
يرى اتجاه فقهي أن العقاب لا يكون ممكنًا عندما يستحيل تحقق الجريمة.
وينطلق هذا الاتجاه من أهمية الخطر المادي الحقيقي.
فإذا لم يكن السلوك قادرًا أصلًا على إحداث النتيجة، فقد يرى أصحاب هذا الاتجاه عدم قيام شروع معاقب عليه.
يركز اتجاه آخر على خطورة الإرادة الإجرامية.
فالجاني كشف بصورة واضحة عن قصد ارتكاب الجريمة وبدأ في تنفيذها، وبالتالي لا ينبغي إعفاؤه لمجرد أن ظروفًا مجهولة له جعلت النجاح مستحيلًا.
ميز الفقه بين:
تكون الجريمة غير قابلة للتحقق إطلاقًا بالوسيلة أو على المحل في الظروف المعينة.
تكون الجريمة ممكنة من حيث الأصل، لكن الظروف الخاصة في الواقعة أدت إلى فشلها.
ومثال ذلك من حيث الفكرة:
محاولة السرقة من جيب خالٍ قد توصف فقهيًا بطريقة مختلفة عن محاولة سرقة شيء لا يمكن أن يكون محلًا للجريمة أصلًا.
يمكن أيضًا التمييز بين:
ترجع إلى الواقع المادي، مثل عدم صلاحية الوسيلة أو غياب محل الجريمة.
ترجع إلى عدم وجود عنصر قانوني لازم للجريمة.
فإذا كان الفعل الذي قصده الشخص، حتى لو تم كما يتصوره، لا يشكل الجريمة التي اعتقدها، فالمشكلة هنا ليست مادية فقط بل قانونية.
المادة (68) تتطلب:
«البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة.»
وهذه العبارة تجعل صلاحية الفعل لأن يكون مؤديًا إلى الجريمة عنصرًا مهمًا في التحليل.
ومن هنا فإن مسألة الجريمة المستحيلة لا يمكن حلها بقاعدة عامة بسيطة دون فحص:
إذا استعمل الشخص وسيلة لا يمكن أن تحدث النتيجة، يجب التمييز بين:
وهذا التفريق هو أحد أسباب استمرار الخلاف الفقهي حول الجريمة المستحيلة.
ولا يوجد في المواد (68–71) نص مستقل يحسم جميع هذه الصور تفصيلًا، ولذلك لا ينبغي نسبة موقف قطعي شامل إلى المشرع الأردني دون سند تشريعي أو قضائي خاص.
الفرق الجوهري هو:
كان تحقق النتيجة ممكنًا، لكن التنفيذ فشل.
كانت النتيجة غير قابلة للتحقق في الظروف الفعلية القائمة منذ البداية أو بسبب عنصر جوهري.
ومع ذلك قد تتداخل بعض الصور، ولهذا يبقى التكييف مسألة دقيقة.
الشروع يثبت أن المشرع لا ينتظر دائمًا تحقق النتيجة حتى يتدخل بالعقاب.
لكن العقاب لا يبدأ منذ مجرد النية.
إذن نظرية الشروع تحقق توازنًا بين مصلحتين:
والحد الفاصل هو البدء في التنفيذ كما عرفته المادة (68).
لا يمكن من الناحية المنطقية التقليدية تصور شروع في جريمة لا يقصد الجاني نتيجتها.
فالشروع يفترض أن الشخص اتجه إلى نتيجة جرمية ولم تتحقق.
أما الجرائم غير المقصودة فتقوم على:
ولا يقوم فيها مشروع جرمي مقصود يراد إتمامه.
ولهذا يرتبط الشروع بالجرائم العمدية أو المقصودة.
إمكان تصور الشروع في الجريمة السلبية يتوقف على طبيعة الجريمة نفسها.
فإذا كانت الجريمة تقوم بمجرد انتهاء الوقت الذي يفرض فيه القانون أداء الواجب دون القيام به، فقد لا توجد مرحلة شروع مستقلة بسهولة.
أما إذا كان هناك بناء تنفيذي يسمح بفصل مرحلة البدء عن تمام الجريمة، فقد يختلف التحليل.
ولذلك لا توجد قاعدة واحدة تصلح لجميع جرائم الامتناع.
في الجريمة الوقتية، يمكن عادة تحديد لحظة البدء ثم لحظة التمام بوضوح أكبر.
أما الجريمة المستمرة فتتميز بأن حالة عدم المشروعية تبقى قائمة في الزمن.
ومن ثم قد تختلف مسائل:
عن الجريمة الوقتية.
إذا كانت الجريمة تتم بمجرد السلوك نفسه دون حاجة إلى نتيجة منفصلة، فقد يضيق المجال بين البدء في التنفيذ وتمام الجريمة.
ولهذا قد يكون تصور الشروع ممكنًا في بعض الجرائم الشكلية ومستبعدًا عمليًا في أخرى، تبعًا لبنية النص.
حتى يثبت الشروع يجب إثبات:
ولا يجوز استنتاج الشروع من مجرد الشبهة أو النية غير المصحوبة بسلوك تنفيذي.
قد يكون السلوك المادي ذاته صالحًا لتفسيرات متعددة.
مثلًا شخص يحمل أداة قرب منزل.
هذا وحده لا يثبت أنه شرع في سرقة أو قتل أو أي جريمة أخرى.
إذن يجب ربط السلوك بـ القصد الجرمي المحدد.
وهذه النقطة تفسر الترابط الوثيق بين الركن المادي والركن المعنوي.
يدخل شخص إلى موقع قاصدًا ارتكاب جناية ويبدأ فعلًا تنفيذيًا مباشرًا، لكن الشرطة تلقي القبض عليه قبل استكمال الأفعال.
إذا ثبت أن الفعل تجاوز التحضير وبدأ التنفيذ، فإن عدم إتمام الجريمة هنا ناشئ عن سبب لا دخل لإرادته فيه.
وتبحث الحالة وفق المادة (68).
يدخل شخص مرحلة التنفيذ، ثم يتوقف من تلقاء نفسه قبل استكمال الجريمة دون تدخل أي سبب خارجي.
هنا تطبق المادة (69).
فلا يعاقب على الشروع، لكنه يبقى مسؤولًا عن أي فعل مستقل كان قد اكتمل ويشكل جريمة بذاته.
يقوم الجاني بكل الأفعال التي اعتقد أنها ستؤدي إلى النتيجة، لكن الجريمة لا تتم بسبب مانع خارجي.
هنا لا نكون أمام الصورة العادية في المادة (68)، بل أمام الصورة الأكثر تقدمًا التي تنظمها المادة (70).
إذا شرع شخص في ارتكاب جنحة، فلا يجوز افتراض العقاب لمجرد أن الشروع ثابت.
يجب أولًا البحث عن:
هل يوجد نص خاص يعاقب على الشروع في هذه الجنحة؟
إذا لم يوجد، تطبق المادة (71/1):
«لا يعاقب على الشروع في الجنحة إلا في الحالات التي ينص القانون عليها صراحة.»
وهذا تطبيق مباشر لمبدأ الشرعية.
تظهر أهمية نظرية الشروع كذلك عند تحديد من يعد فاعلًا أصليًا.
فالمادة (75) تعرف فاعل الجريمة بأنه من:
«أبرز إلى حيز الوجود العناصر التي تؤلف الجريمة أو ساهم مباشرة في تنفيذها.»
ومن هنا يستعمل الفقه أحيانًا معيار المساهمة في التنفيذ للفصل بين الفاعل وبعض صور التدخل.
لكن هذا الموضوع سيعالج تفصيلًا في المقال الخامس الخاص بالاشتراك الجرمي.
كلما اقترب الفعل من الجريمة التامة، زادت خطورة السلوك من الناحية الجزائية.
وهذا يفسر الاختلاف بين:
عند دراسة أي واقعة يجب الإجابة بالتسلسل:
وهذه الطريقة تمنع الخلط بين المواد (68) و(69) و(70).
يمكن تلخيص البناء التشريعي بصورة دقيقة:
| المادة | الموضوع |
|---|---|
| 68 | بدء التنفيذ وعدم إكمال الأفعال اللازمة بسبب خارج عن الإرادة + عقوبة الشروع في الجناية |
| 69 | استبعاد العزم والأعمال التحضيرية + أثر العدول الاختياري |
| 70 | إتمام الأفعال التنفيذية وعدم تحقق الجريمة بسبب مانع خارجي + أثر العدول بعد مرحلة التنفيذ المتقدمة |
| 71 | الشروع في الجنحة وشروط العقاب عليه |
وهذه المواد تمثل الأساس التشريعي الأردني العام لنظرية الشروع.
يمثل الركن المادي الجانب الظاهر من الجريمة، ويقوم بحسب طبيعة النص على السلوك، وقد يتطلب كذلك نتيجة جرمية ورابطة سببية تسمح بإسناد النتيجة إلى فعل الجاني.
ولا يضع قانون العقوبات الأردني نظرية عامة مكتوبة لعلاقة السببية في جميع الجرائم، إلا أن المادة (345) تقدم معالجة مهمة لتعدد الأسباب في جرائم القتل والإيذاء، بما يؤكد ضرورة فحص أثر الأسباب السابقة أو اللاحقة في النتيجة وعدم إسنادها آليًا إلى كل فعل سبقها.
أما الشروع، فقد نظمه المشرع الأردني بصورة واضحة في المواد (68–71)، وجعل نقطة بدايته البدء في تنفيذ فعل ظاهر مؤدٍ إلى الجريمة، مع استبعاد مجرد العزم والأعمال التحضيرية.
وتميز التشريع الأردني بين صورتين:
الأولى: أن يتوقف التنفيذ قبل إكمال الأفعال اللازمة بسبب خارج عن إرادة الجاني، وهي الصورة التي تعالجها المادة (68).
الثانية: أن يستنفد الجاني نشاطه التنفيذي لكن لا تتحقق الجريمة المقصودة لسبب خارجي، وهي الصورة التي تنظمها المادة (70).
كما منح المشرع أثرًا مهمًا للعدول الاختياري، فاستبعد العقاب على الشروع في الحالة المنصوص عليها في المادة (69)، مع بقاء المسؤولية عن الجرائم المستقلة، بينما أجاز تخفيض العقوبة في الصورة التي تناولتها المادة (70/3).
أما الجنح، فالأصل عدم العقاب على الشروع فيها إلا بنص صريح، وعند وجود النص لا تزيد العقوبة، كقاعدة عامة، على نصف الحد الأعلى للجريمة التامة ما لم يقرر القانون خلاف ذلك.
وفيما يتعلق بالجريمة المستحيلة، لا يتضمن قانون العقوبات الأردني في المواد العامة للشروع نصًا مستقلًا بهذا الاسم، ولذلك يبقى الموضوع مجالًا للتحليل الفقهي وتكييف الوقائع في ضوء مفهوم البدء في التنفيذ ومدى صلاحية الفعل لأن يؤدي إلى الجريمة، ولا يصح نسبة نظرية فقهية بعينها إلى المشرع الأردني دون نص أو اجتهاد قضائي محدد.
وبذلك يمثل الركن المادي والشروع حلقة مركزية في النظرية العامة للجريمة؛ فهو الذي يحدد اللحظة التي تنتقل عندها النية الإجرامية من المجال النفسي إلى نشاط خارجي يستحق تدخل القانون الجزائي.
تعرف الشروع بأنه البدء في تنفيذ فعل ظاهر مؤدٍ إلى ارتكاب جناية أو جنحة، وتنظم عقوبة الشروع عندما لا يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لسبب لا دخل لإرادته فيه.
تقرر أن:
تنظم الحالة التي تتم فيها الأفعال اللازمة لإتمام الجريمة لكن النتيجة المقصودة لا تقع بسبب مانع خارج عن إرادة الفاعل، وتحدد عقوبتها، كما تنظم أثر العدول الإرادي في هذه المرحلة.
تقرر أن الشروع في الجنحة لا يعاقب عليه إلا بنص صريح، وأن عقوبته عند النص عليها لا تزيد كقاعدة عامة على نصف الحد الأعلى المقرر للجنحة التامة، ما لم ينص القانون على غير ذلك.
تعالج أثر تعدد الأسباب في القتل والإيذاء المقصود عندما تتدخل أسباب سابقة مستقلة مجهولة للفاعل أو أسباب منفصلة تمامًا عن فعله، وترتب أثرًا خاصًا في العقوبة.
راجع معنا مادة قانون العقوبات


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!