مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في القانون الأردني
بواسطة Ashraf Nsour/سبتمبر 25, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في القانون الأردني

يقوم القانون الجزائي الحديث على مبدأ أساسي لا يجوز تجاوزه، وهو أن التجريم والعقاب لا يقومان إلا على نص سابق. فلا يكفي أن يكون الفعل ضارًا أو مستهجنًا اجتماعيًا أو مخالفًا لقيم المجتمع حتى يصبح جريمة، وإنما يجب أن يكون المشرع قد حدد مسبقًا السلوك المجرّم والجزاء المترتب عليه.
وقد أخذ المشرع الأردني بهذا المبدأ صراحة في المادة (3) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، ثم نظم في المواد اللاحقة مسألة تنازع القوانين الجزائية من حيث الزمان، وحدد نطاق سريان القانون الجزائي الأردني من حيث المكان، فقرر مبدأ الإقليمية ثم أضاف إليه صورًا من الصلاحية الذاتية والشخصية، ونظم أثر الأحكام الجزائية الأجنبية.
وتكمن أهمية هذه القواعد في أنها تحدد حدود سلطة الدولة في التجريم والعقاب؛ فلا يجوز تطبيق نص جزائي لم يكن نافذًا وقت ارتكاب الفعل إلا في الحالات التي يسمح فيها القانون بتطبيق النص الأصلح للمتهم، كما لا تمتد الولاية الجزائية الأردنية إلى كل جريمة تقع في أي مكان من العالم بلا ضابط، وإنما ضمن القواعد التي رسمها القانون.
وتتناول هذه الدراسة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومصادر التجريم والتفسير والقياس، ثم نطاق تطبيق قانون العقوبات الأردني من حيث الزمان والمكان وأثر الأحكام الأجنبية.
يقصد بمبدأ الشرعية الجزائية أن:
لا يجوز اعتبار فعل أو امتناع جريمة، ولا يجوز فرض عقوبة أو تدبير جزائي، إلا استنادًا إلى نص قانوني كان قائمًا وقت ارتكاب الفعل.
وقد قررت المادة (3) من قانون العقوبات الأردني:
«لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة…»
ويترتب على ذلك أن مصدر التجريم والعقاب هو القانون.
فالقاضي لا ينشئ جريمة.
والعرف لا يستطيع بمفرده إنشاء جريمة.
والفقه لا يستطيع ابتكار عقوبة.
والمجتمع لا يستطيع، بمجرد استهجانه لفعل معين، تحويله إلى جريمة دون تدخل تشريعي.
وتشكل هذه القاعدة إحدى أهم ضمانات الحرية الفردية؛ لأنها تجعل المواطن قادرًا من حيث الأصل على معرفة ما يحظره القانون قبل مساءلته عنه.
تتضمن قاعدة الشرعية عدة نتائج مترابطة.
لا يكفي وجود ضرر أو خطر حتى يتحقق التجريم.
فإذا لم يضع المشرع نصًا يجرم السلوك، فلا يجوز للقاضي إنشاء الجريمة بطريق القياس أو التوسع غير المشروع في تفسير النص.
حتى إذا ثبت أن السلوك يشكل جريمة، فلا يجوز فرض عقوبة لم يقررها القانون.
لم يقتصر المشرع الأردني في المادة (3) على العقوبة، بل أضاف التدبير كذلك.
ومن ثم فإن التدابير ذات الطبيعة الجزائية يجب أن تستند هي الأخرى إلى نص.
يشترط أن يكون النص نافذًا عند اقتراف الجريمة.
وهذه النتيجة تقود مباشرة إلى قاعدة عدم رجعية القانون الجزائي الأشد.
المصدر المباشر للقاعدة هو المادة (3) من قانون العقوبات.
كما تظهر الشرعية في بنية القانون بأكملها؛ إذ لا يترك المشرع للقاضي حرية مطلقة في تحديد الجرائم والعقوبات.
وقد بقيت المواد الأولى من قانون العقوبات، بما فيها المواد المتعلقة بالشرعية والنطاق الزماني والمكاني، ضمن البناء الأساسي للقانون، في حين طالت التعديلات الحديثة مواد أخرى. ويظهر من القانون المعدل رقم 12 لسنة 2025 أنه تناول مواد مثل (22) و(25 مكررة) و(27) و(34) و(52) و(54 مكررة) و(72)، دون أن يكون من بين أحكامه تعديل المواد (3–13) محل هذه الدراسة.
لا تعد الشرعية مجرد قاعدة فنية.
بل تؤدي وظائف أساسية.
أولها حماية الأفراد من التعسف؛ لأن السلطة لا تستطيع العقاب على فعل لم يكن مجرمًا.
وثانيها تحقيق الأمن القانوني؛ إذ يعرف الأفراد مسبقًا حدود السلوك المباح والمحظور.
وثالثها تقييد السلطة القضائية؛ فالقاضي يفسر النص ولا يستبدل المشرع.
ورابعها تقييد السلطة التنفيذية؛ فلا تملك الإدارة إنشاء جرائم وعقوبات خارج حدود التفويض التشريعي.
الأصل أن التجريم والعقاب مصدرهما النص المكتوب.
ويقصد بذلك:
لكن المصدر الأساسي يبقى التشريع.
ولا يجوز للعادات أو الأعراف أن تنشئ جريمة مستقلة أو عقوبة.
لا يعد العرف مصدرًا مستقلًا للتجريم والعقاب.
ومع ذلك قد يظهر دوره في تفسير بعض المفاهيم التي يحيل القانون في فهمها إلى الواقع أو العرف، أو في تحديد معنى بعض السلوكيات ضمن الإطار الذي رسمه النص.
فمثلًا قد يستعين القاضي بالعرف لفهم طبيعة ممارسة اجتماعية أو مهنية معينة.
لكن العرف لا يستطيع أن يقول:
«هذا الفعل جريمة لأنه مخالف للعرف»
إذا لم يكن القانون قد جرمه.
إذن:
العرف قد يساعد في التفسير، لكنه لا يحل محل النص الجزائي.
الفقه والقضاء لا ينشئان نصًا جزائيًا جديدًا.
لكن لهما دور مهم في:
ويمارس القضاء هذه الوظيفة مع الالتزام بمبدأ الشرعية وعدم تجاوز حدود النص.
التفسير هو العملية التي يتم من خلالها تحديد المعنى الحقيقي للنص القانوني وتعيين نطاق تطبيقه على الوقائع.
ولا يعني التفسير إنشاء قاعدة جديدة.
بل يهدف إلى كشف ما أراده المشرع من النص.
وقد يكون التفسير ضروريًا عندما:
يمكن الاستعانة عند التفسير بعدة وسائل.
منها:
وهو نقطة البداية الأساسية.
أي قراءة المادة مع بقية مواد القانون.
قد تساعد في معرفة الهدف من التعديل أو النص إذا كانت متاحة.
يقدم التطبيق القضائي تفسيرًا عمليًا للنص.
يساعد في شرح المفاهيم وتحليلها.
لكن جميع هذه المصادر تبقى ضمن وظيفة التفسير لا إنشاء التجريم.
من أهم وسائل التفسير:
يعتمد على المعنى الذي تحمله ألفاظ النص.
يبحث في الغاية والبناء الداخلي للنص.
ينظر إلى النص ضمن القانون كله وليس بمعزل عنه.
يستعين بالخلفية التشريعية للنص والتعديلات التي طرأت عليه.
والقاعدة المهمة هي أن استعمال هذه الوسائل يجب ألا يؤدي إلى خلق جريمة لم يتضمنها النص.
من العبارات الشائعة في القانون الجزائي القول إن النصوص الجزائية تفسر تفسيرًا ضيقًا.
لكن المقصود بذلك ليس التضييق المصطنع على النص.
فالمعيار الأدق هو:
إعطاء النص معناه القانوني الصحيح دون توسع يؤدي إلى إنشاء تجريم جديد.
إذا كان النص واضحًا وشاملًا لحالة معينة، يطبق.
أما إذا لم يشملها، فلا يجوز للقاضي إدخالها فيه لمجرد التشابه.
قد ينتهي التفسير إلى إحدى ثلاث نتائج.
وهي أن الواقعة تدخل بوضوح ضمن النص.
وهي أن الواقعة تقع خارج نطاقه.
حين يتوقف الحكم على عنصر دقيق مثل:
وهنا يجب فحص عناصر الجريمة لا الاكتفاء بعنوان النص.
القياس يعني تطبيق حكم نص على واقعة لم يتناولها النص بسبب تشابهها مع واقعة أخرى تناولها القانون.
وهذا الأسلوب مرفوض إذا كان الغرض منه:
إنشاء جريمة أو تشديد عقوبة.
فإذا جرم القانون سلوكًا معينًا، فلا يجوز اعتبار سلوك آخر جريمة لمجرد أنه مشابه له.
والسبب واضح:
لو سمح بالقياس في التجريم، لفقد مبدأ الشرعية معناه.
المنع يرتبط أساسًا بالقياس الذي يؤدي إلى:
أما استعمال المنطق التشبيهي في فهم قاعدة إجرائية أو قاعدة لمصلحة المتهم فلا يجوز مساواته تلقائيًا بالقياس المحظور في مجال إنشاء الجرائم.
لكن الأصل في المجال الجزائي هو الحذر الشديد؛ لأن أي توسع على حساب المتهم يصطدم بمبدأ الشرعية.
قد تبدو الواقعة الواحدة خاضعة لأكثر من نص.
وهنا يظهر ما يعرف بـ التنازع الظاهري للنصوص.
لكن هذا لا يعني دائمًا وجود جرائم متعددة.
فقد يكون أحد النصوص:
وقد قرر قانون العقوبات قاعدة مهمة في المادة (57/2):
إذا انطبق على الفعل وصف عام ووصف خاص، يؤخذ بالوصف الخاص.
وهذه القاعدة تمثل أحد أهم الحلول القانونية للتنازع الظاهري.
التنازع الظاهري يعني أن واقعة واحدة تبدو داخلة في أكثر من نص، لكن في النهاية يطبق النص الذي يستوعبها قانونًا.
أما اجتماع الجرائم فيفترض وجود أكثر من وصف جرمي بالمعنى الذي نظمه القانون.
وقد قررت المادة (57/1) أنه إذا كان للفعل عدة أوصاف، تذكر جميعها في الحكم وتطبق العقوبة الأشد، مع مراعاة أولوية النص الخاص عندما يكون هناك وصف عام وخاص.
وسيأتي التفصيل الكامل لاجتماع الجرائم في المقال السابع.
من المبادئ الأساسية أن القانون الجزائي يسري على الوقائع التي تقع أثناء نفاذه.
ويترتب على ذلك:
القانون الجديد الأشد لا يرجع إلى الماضي.
لكن قانون العقوبات الأردني وضع استثناءً مهمًا لمصلحة المشتكى عليه أو المحكوم عليه، وهو تطبيق القانون الجديد إذا كان أكثر فائدة له وفق الشروط التي حددها القانون.
قررت المادة (6):
«كل قانون يفرض عقوبات أشد لا يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه.»
وهذه قاعدة مباشرة وواضحة.
فإذا ارتكب شخص فعلًا في وقت كانت عقوبته أقل، ثم صدر قانون جديد شدد العقوبة، فلا تطبق العقوبة الجديدة على الواقعة السابقة.
والعبرة بتاريخ ارتكاب الجريمة.
أضافت المادة (3) قاعدة مهمة:
«وتعتبر الجريمة تامة إذا تمت أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت حصول النتيجة.»
وهذا النص مهم في تحديد القانون الزماني الواجب التطبيق.
فالعبرة، وفق النص، بوقت تمام أفعال التنفيذ، وليس بمجرد تأخر النتيجة في الظهور.
وتزداد أهمية هذه القاعدة في الجرائم التي يفصل فيها زمن بين الفعل والنتيجة.
نصت المادة (4/1) على أن:
إذا عدل القانون شروط التجريم تعديلًا في مصلحة المشتكى عليه، فإنه يسري على الأفعال السابقة، ما لم يكن قد صدر بشأنها حكم مبرم.
وهذا تطبيق لمبدأ:
القانون الأصلح للمشتكى عليه.
فإذا جعل القانون الجديد قيام الجريمة أصعب أو أضاف شرطًا لم يكن موجودًا، فقد يستفيد منه الشخص الذي ارتكب الفعل في ظل القانون القديم ضمن حدود المادة.
تنص المادة (4/2) على أن:
كل قانون يعدل حق الملاحقة يطبق على الجرائم السابقة إذا كان أكثر مراعاة للمدعى عليه.
وهنا لا يتعلق الأمر بتغيير عناصر الجريمة نفسها، بل بشروط الملاحقة.
ومن أمثلتها من حيث الفكرة:
إذا كان القانون الجديد أصلح للمدعى عليه، يطبق وفق النص.
عالجت المادة (4/3) حالة القانون الجديد الذي يحدد مهلة لممارسة حق الملاحقة.
وقررت أن المهلة الجديدة لا تبدأ إلا من يوم نفاذ القانون الجديد.
وإذا عدل القانون مهلة كانت مقررة سابقًا، تستمر المهلة وفق القانون القديم، ولكن لا يجوز أن تتجاوز المدة الجديدة محسوبة من تاريخ نفاذ القانون.
وهذا الحكم يوازن بين:
تناولت المادة (4/4) التعديل التشريعي لمدة تقادم الجريمة أو العقوبة.
وقررت استمرار سريان المدة وفق القانون القديم، على ألا تتجاوز في النهاية الميعاد الجديد محسوبًا من تاريخ نفاذ القانون.
وهنا يتضح أن المشرع وضع نظامًا خاصًا لمسائل التقادم بدل تركها للقواعد العامة وحدها.
نصت المادة (5) على أن:
كل قانون جديد يلغي عقوبة أو يفرض عقوبة أخف يجب أن يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه.
إذن إذا خفف المشرع العقوبة بعد وقوع الجريمة وقبل استقرار المركز القانوني نهائيًا، يستفيد المتهم من القانون الأخف وفق أحكام القانون.
عالجت المادة (5) حالة أكثر أهمية.
فإذا صدر قانون جديد بعد حكم مبرم وجعل الفعل الذي أدين به الشخص غير معاقب عليه، فإن:
وهذه الحالة تختلف عن مجرد تخفيف العقوبة.
فإلغاء التجريم يعني أن المشرع نفسه لم يعد يعتبر السلوك مستوجبًا للعقاب.
القانون الأصلح هو القانون الذي يؤدي، عند مقارنة النظامين القديم والجديد، إلى مركز جزائي أفضل للمتهم.
وقد يكون أصلح لأنه:
ولا يكفي النظر إلى مادة واحدة منعزلة.
بل يجب مقارنة النظام القانوني المتكامل الذي سيطبق على الواقعة.
عند المقارنة بين قانونين لا يجوز تركيب قانون ثالث من أجزاء مختارة من القانون القديم والجديد.
فالأصل أن يحدد القاضي أي النظامين أصلح ثم يطبقه كمنظومة بحسب طبيعة التعديل.
أما انتقاء أفضل حكم من كل تشريع بصورة تنتج نظامًا لم يقرره المشرع، فهو أمر مختلف عن تطبيق القانون الأصلح.
إذا صدر القانون الأصلح قبل أن يصبح الحكم مبرمًا، فإن أحكام المواد (4) و(5) قد تؤدي إلى تطبيق القانون الجديد لمصلحة المتهم بحسب طبيعة التعديل.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين:
لأن بعض صور تطبيق القانون الأصلح تتغير بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.
بعد الحكم المبرم، لا يؤدي مجرد تخفيف العقوبة الجديدة بالضرورة إلى إعادة فتح الحكم في كل حالة.
لكن المادة (5) وضعت استثناءً صريحًا عندما يلغي القانون الجديد تجريم الفعل ذاته.
فهنا يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجزائية.
إذن يجب التمييز بين:
إلغاء التجريم ومجرد تخفيف العقوبة.
قد يصدر قانون لفترة معينة أو لمواجهة ظرف معين.
وفي هذه الحالة تثار مسألة أثر انتهاء القانون على الجرائم التي ارتكبت أثناء نفاذه.
والأصل في التحليل هو الرجوع إلى:
ولا يجوز افتراض زوال المسؤولية تلقائيًا لمجرد انتهاء مدة قانون مؤقت دون فحص النص الذي نظم ذلك.
بعد تنظيم القانون من حيث الزمان، انتقل المشرع في المواد (7–13) إلى نطاقه المكاني.
وأخذ بعدة مبادئ:
وتؤكد النسخة الرسمية المنشورة لدى وزارة العدل استمرار ورود هذه المبادئ ضمن قانون العقوبات.
تنص المادة (7/1) على سريان قانون العقوبات الأردني على:
كل من يرتكب داخل المملكة جريمة من الجرائم المنصوص عليها فيه.
وهذا هو مبدأ الإقليمية.
ومضمونه أن الدولة تطبق قانونها الجزائي على الجرائم الواقعة داخل إقليمها، بصرف النظر من حيث الأصل عن جنسية الفاعل.
وسعت المادة (7/2) مفهوم مكان الجريمة.
فاعتبرتها مرتكبة في المملكة إذا وقع في المملكة:
وهذا مهم في الجرائم التي تتوزع عناصرها بين أكثر من دولة.
فلا يشترط أن تقع جميع عناصر الجريمة داخل الأردن حتى تنعقد الصلاحية الإقليمية وفق النص.
أدخلت المادة (7) ضمن الإقليم لغايات تطبيق القانون:
كما أضاف النص بعض الأراضي الأجنبية التي يحتلها الجيش الأردني عندما تمس الجريمة سلامة الجيش أو مصالحه.
ويجب عند تناول الحدود البحرية في أي مسألة عملية عدم فصل نص قانون العقوبات عن التشريعات والاتفاقيات الخاصة المنظمة للمجال البحري، لكن المقال يورد هنا صياغة قانون العقوبات ذاته.
وضعت المادة (8) استثناءً على الإقليمية بالنسبة إلى بعض الجرائم التي تقع في المجال الجوي الأردني على متن مركبة هوائية أجنبية ولا تتجاوز شفير المركبة.
لكن النص أعاد إخضاع بعض هذه الجرائم للقانون الأردني إذا:
وهذا يوضح أن المشرع لا يكتفي بالموقع الجغرافي وحده، بل يوازن بين الاختصاص الإقليمي وبعض الروابط الأخرى.
قررت المادة (8/2) كذلك عدم سريان القانون الأردني في بعض الجرائم الواقعة في البحر الإقليمي أو المجال الجوي الذي يغطيه على متن سفينة أو مركبة هوائية أجنبية إذا لم تتجاوز الجريمة حدودها.
والفكرة هي احترام المجال الداخلي للسفينة أو الطائرة الأجنبية في الحالات التي لا تمتد فيها آثار الجريمة خارجها، ضمن الحدود التي رسمها النص.
نظمت المادة (9) ما سماه المشرع:
الصلاحية الذاتية.
وبموجبها يسري قانون العقوبات الأردني على أردني أو أجنبي يرتكب خارج المملكة، بصفة فاعل أو شريك أو محرض أو متدخل، بعض الجرائم التي تمس مصالح جوهرية للدولة.
ومنها بحسب النص:
الأساس هنا ليس جنسية الجاني.
بل طبيعة المصلحة التي تحميها الدولة.
فالدولة تعتبر بعض المصالح أساسية إلى درجة أنها تمد قانونها إلى الجرائم الواقعة عليها ولو ارتكب الفعل خارج الإقليم ولو كان مرتكبه أجنبيًا.
ولهذا تختلف الصلاحية الذاتية عن الصلاحية الشخصية.
نصت المادة (10/1) على سريان قانون العقوبات على كل أردني يرتكب خارج المملكة جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون الأردني.
ويشمل النص:
وأضاف أن الحكم يسري على من فقد الجنسية بعد الجريمة أو اكتسب الجنسية بعد ارتكابها وفق صياغة النص.
وهذه صورة من مبدأ الشخصية الذي يربط القانون بجنسية الشخص.
توسع المادة (10) كذلك نطاق القانون ليشمل:
الجرائم التي يرتكبها خارج المملكة موظف أردني أثناء ممارسته وظيفته أو بمناسبة ممارستها.
وهنا توجد رابطة إضافية تتعلق:
والغرض هو عدم ترك الموظف خارج نطاق المساءلة الأردنية لمجرد أن الفعل وقع في الخارج.
تشمل المادة (10) كذلك الجرائم التي يرتكبها خارج المملكة:
وذلك ما داموا يتمتعون بالحصانة التي يخولهم إياها القانون الدولي العام.
وهذه القاعدة ترتبط بطبيعة عملهم خارج الدولة ووضعهم القانوني الدولي.
قررت المادة (10/4) سريان القانون الأردني على الأجنبي المقيم في المملكة إذا ارتكب خارجها جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون الأردني، بشرط أن يكون:
وهذا حكم واسع نسبيًا؛ لأنه يجعل الإقامة في الأردن رابطة قانونية يمكن أن تبرر الملاحقة في حالات معينة.
تقيد المادة (11) تطبيق القانون الأردني بالنسبة إلى بعض الأشخاص.
فنصت على عدم سريان أحكام قانون العقوبات على الجرائم التي يرتكبها في المملكة:
ما داموا يتمتعون بالحصانة التي يخولهم إياها القانون الدولي العام.
وهذا ليس إقرارًا بأن الفعل مشروع، وإنما يتعلق بالحصانة من الولاية الجزائية ضمن حدود القانون الدولي.
يستخدم الفقه مصطلح الصلاحية العالمية للدلالة على الحالات التي تسمح للدولة بملاحقة بعض الجرائم الخطيرة بصرف النظر عن:
لكن قانون العقوبات الأردني في المواد (7–13) لا يضع نصًا عامًا مطلقًا بعنوان «الصلاحية العالمية» يشمل كل الجرائم الدولية.
وعليه يجب الحذر من نسب قاعدة عامة غير موجودة إلى هذه المواد.
فإذا وجدت صلاحية عالمية بالنسبة إلى جريمة معينة، فيجب البحث عن أساسها في:
إذن الصلاحية العالمية لا تستنتج بلا نص أو أساس قانوني خاص.
نظمت المادتان (12) و(13) أثر الأحكام الأجنبية.
والمبدأ الذي يظهر من المادة (12) هو أنه، باستثناء الحالات التي حددها القانون، لا يلاحق في الأردن شخص سبق أن حوكم نهائيًا في الخارج إذا كان الحكم قد نفذ أو سقط بالتقادم أو بالعفو.
لكن المادة استثنت من ذلك:
لأن بعض الجرائم لها صلة مباشرة بمصالح الدولة الأردنية أو بإقليمها.
ولهذا قررت المادة (13) أن الأحكام الأجنبية لا تحول دون الملاحقة في المملكة بالنسبة إلى:
لكن النص وضع استثناءً مهمًا: إذا كان الحكم الأجنبي قد صدر نتيجة إخبار رسمي من السلطات الأردنية، تمتنع الملاحقة في الحالتين وفق المادة (13/2).
قررت المادة (13/3) ضمانة مهمة للمتهم.
فإذا سبق أن قضى الشخص في الخارج مدة:
نتيجة إجراء ضابطة عدلية أو إجراء قضائي أو حكم، فإن هذه المدة تنزل من أصل المدة التي يحكم بها عليه في المملكة.
وهذا يمنع عمليًا مضاعفة أثر الحرمان من الحرية عن الفترة نفسها دون احتساب.
يمكن تلخيص الفرق كالآتي:
| المبدأ | أساس تطبيق القانون الأردني |
|---|---|
| الإقليمية | وقوع الجريمة أو عنصر منها داخل المملكة |
| الذاتية | الاعتداء على مصالح أساسية للدولة ولو وقعت الجريمة في الخارج |
| الشخصية | وجود رابطة شخصية، ولا سيما الجنسية أو الحالات التي نصت عليها المادة (10) |
| الأحكام الأجنبية | تحديد أثر المحاكمة السابقة في الخارج على الملاحقة في الأردن |
ولا يقوم أي من هذه المبادئ على التخمين؛ بل يستند كل واحد منها إلى نصوص محددة في قانون العقوبات.
لنفترض أن شخصًا ارتكب فعلًا سنة 2024 وكانت عقوبته الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
ثم صدر قانون سنة 2025 جعل العقوبة من ثلاث إلى خمس سنوات.
لا يطبق النص الجديد على واقعة 2024؛ لأن المادة (6) تمنع رجعية العقوبة الأشد.
أما إذا خفض القانون الجديد العقوبة إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، فيجب بحث تطبيق أحكام القانون الأصلح وفق المواد (4) و(5).
ولو ألغى القانون الجديد التجريم كليًا بعد حكم مبرم، تطبق القاعدة الخاصة في المادة (5) بوقف تنفيذ الحكم وانتهاء آثاره الجزائية.
لنفترض أن أردنيًا ارتكب خارج الأردن جناية يعاقب عليها قانون العقوبات الأردني ثم عاد إلى المملكة.
هنا لا نحتاج إلى إثبات أن الفعل وقع داخل الإقليم، لأن المادة (10/1) تنص على سريان القانون على الأردني الذي يرتكب خارج المملكة جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون الأردني، ضمن شروط النص.
أما إذا كان مرتكب الجريمة أجنبيًا غير مقيم في الأردن والجريمة وقعت خارج المملكة، فلا يجوز افتراض اختصاص القضاء الأردني دون تحديد نص آخر يمنح هذه الصلاحية.
إذا بدأ تنفيذ الجريمة خارج الأردن لكن وقع في الأردن عنصر من العناصر المكونة لها، فقد تعتبر الجريمة مرتكبة في المملكة وفق المادة (7/2).
وهذا مهم في الجرائم الحديثة التي قد توزع أفعالها عبر عدة دول، وخاصة الجرائم التي تستخدم وسائل إلكترونية أو مالية عابرة للحدود.
لكن تحديد الاختصاص في كل واقعة يتطلب معرفة:
مبدأ الشرعية لا يمنع القاضي من التفسير.
لكنه يمنعه من التحول إلى مشرع.
فالقاضي يستطيع:
لكنه لا يستطيع:
الشرعية تضع مسؤولية كبيرة على المشرع أيضًا.
إذ يجب أن تكون النصوص الجزائية قدر الإمكان:
فكلما كان النص أكثر غموضًا، ازداد خطر عدم استقرار التطبيق.
قد يبدو للوهلة الأولى أن تطبيق القانون الجديد على جريمة سابقة يخالف مبدأ عدم الرجعية.
لكن القانون يميز بين اتجاهين:
الرجعية التي تضر بالمتهم وهي ممنوعة.
والرجعية التي تكون في مصلحته وهي التي سمح بها المشرع في الحالات المنصوص عليها.
إذن القانون الأصلح للمتهم لا يناقض الشرعية، بل يعد من ضماناتها.
ليس كل تعديل لغوي أو إجرائي بالضرورة أصلح للمتهم.
فالتحليل يجب أن ينظر إلى الأثر القانوني الواقعي للتعديل.
وقد يكون القانون الجديد:
ولهذا يجب إجراء مقارنة قانونية متكاملة وعدم إصدار حكم عام بمجرد قراءة عنوان التعديل.
تاريخ الجريمة أساسي في ثلاثة مجالات:
ولهذا شددت المادة (3) على زمن تمام أفعال التنفيذ.
وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا في الجرائم:
وفي هذه الحالات يجب دراسة طبيعة الركن المادي لكل جريمة.
لا يملك الشخص «حقًا مكتسبًا» في استمرار قانون يجرم غيره أو يعاقبه بعقوبة معينة.
لكن المتهم يتمتع بضمانة جوهرية:
ألا يخضع بأثر رجعي لقانون أشد من القانون الذي كان نافذًا وقت الفعل.
وهذه الضمانة تختلف عن فكرة الحقوق المكتسبة في القانون المدني.
عند قراءة هذه المواد معًا يتضح أن المشرع الأردني بنى نظامًا متكاملًا:
وهذه المواد تمثل الإطار الأساسي الذي يجيب عن سؤالين قبل الدخول في أركان الجريمة:
أي قانون نطبق؟ وأي دولة تملك تطبيقه؟
يقوم قانون العقوبات الأردني على مبدأ جوهري هو شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يقرر أن التجريم والعقاب والتدابير الجزائية لا تقوم إلا بنص نافذ وقت ارتكاب الجريمة.
ويترتب على هذا المبدأ منع إنشاء الجرائم والعقوبات بالقياس أو العرف، وتقييد سلطة القاضي في التفسير بحدود النص.
وفي المجال الزماني، أخذ المشرع بقاعدة عدم رجعية القانون الأشد، وفي المقابل سمح بتطبيق القانون الجديد الأصلح للمتهم ضمن الحالات التي حددتها المواد (4) و(5)، بما في ذلك وقف تنفيذ الحكم وانتهاء آثاره إذا ألغى القانون الجديد تجريم الفعل حتى بعد الحكم المبرم.
أما من حيث المكان، فقد جعل المشرع مبدأ الإقليمية هو الأصل، ثم وسع نطاق القانون إلى بعض الجرائم المرتكبة خارج المملكة وفق الصلاحية الذاتية والشخصية، ونظم أثر الجرائم الواقعة على متن السفن والطائرات الأجنبية والحصانات الدبلوماسية والقنصلية.
كما وضع المشرع قواعد محددة لأثر الأحكام الجزائية الأجنبية، بما يمنع أحيانًا الملاحقة الجديدة في الأردن، ويجيزها في حالات أخرى تتعلق بجرائم تمس مصالح الدولة أو وقعت داخل المملكة، مع احتساب مدة الحرمان من الحرية التي سبق تنفيذها في الخارج.
وبذلك تشكل المواد (3–13) من قانون العقوبات الأردني الحدود القانونية الأساسية لسلطة الدولة في التجريم والعقاب من حيث الزمان والمكان، وهي الأساس الذي يجب الرجوع إليه قبل دراسة أي جريمة أو مسؤولية جزائية.
تقرر قاعدة:
«لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة…»
كما تحدد وقت تمام الجريمة بتمام أفعال التنفيذ دون الاعتداد بوقت حصول النتيجة.
تنظم:
تنظم تطبيق القانون الذي:
تقرر عدم رجعية القانون الذي يفرض عقوبة أشد.
تنظم الصلاحية الإقليمية ومكان وقوع الجريمة.
تنظم بعض الاستثناءات المتعلقة بالجرائم الواقعة على متن السفن والمركبات الهوائية الأجنبية.
تنظم الصلاحية الذاتية في الجرائم التي تمس أمن الدولة وبعض جرائم التقليد والتزوير النقدي. ويؤكد النص الرسمي المنشور لدى وزارة العدل مضمون هذه الصلاحية.
تنظم الصلاحية الشخصية والحالات المتعلقة بالأردنيين والموظفين الأردنيين وبعض الأجانب المقيمين في المملكة.
تقرر أثر الحصانة لموظفي السلك الخارجي والقناصل الأجانب.
تنظمان أثر الأحكام الجزائية الأجنبية وإمكان إعادة الملاحقة في المملكة واحتساب مدة التوقيف أو العقوبة المنفذة في الخارج.
راجع معنا مادة قانون العقوبات


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!