الأعمال التجارية في القانون الأردني
بواسطة Ashraf Nsour/سبتمبر 24, 2026/في القانون الأردني/0 تعليقات on الأعمال التجارية في القانون الأردني

تُعدّ نظرية الأعمال التجارية من أكثر موضوعات القانون التجاري أهمية؛ لأنها تمثل المدخل الحقيقي لتحديد نطاق تطبيق قانون التجارة. فقبل البحث في صفة التاجر، أو التزاماته، أو الدفاتر التجارية، أو السجل التجاري، يجب أولًا الإجابة عن سؤال أساسي: متى يعد العمل تجاريًا؟
وتنبع أهمية هذا السؤال من أن وصف العمل بأنه تجاري ليس مجرد وصف فقهي، بل يترتب عليه آثار قانونية مهمة تتعلق بالقانون الواجب التطبيق، وقواعد الإثبات، والقرائن الخاصة بالالتزامات التجارية، والتمييز بين من يمارس عملًا تجاريًا عرضًا ومن يتخذ التجارة مهنة، فضلًا عن أثر هذا الوصف في اكتساب صفة التاجر وتحديد النظام القانوني الذي يحكم العلاقة.
وقد تبنى قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 منهجًا يجمع بين النظرية الموضوعية التي تنطلق من طبيعة العمل ذاته، والنظرية الشخصية التي تنطلق من صفة القائم بالعمل وممارسته التجارة على سبيل المهنة. ويظهر هذا الجمع منذ المادة الأولى من القانون، ثم يتأكد في المواد التي تعدد الأعمال التجارية بطبيعتها، وفي المادة الثامنة التي تعتبر الأعمال التي يقوم بها التاجر لغايات تجارية أعمالًا تجارية أيضًا.
وتتناول هذه الدراسة نطاق القانون التجاري الأردني، والنظريات التي قيلت في تحديد العمل التجاري، وموقف المشرع الأردني، وأهم معايير التمييز بين الأعمال التجارية والمدنية، ثم الآثار القانونية المترتبة على هذا التمييز.
حدد قانون التجارة الأردني نطاقه منذ المادة الأولى تحديدًا واضحًا. فالقانون لا يقتصر على تنظيم أشخاص التجار، كما لا يقتصر على تنظيم قائمة مجردة من الأعمال التجارية، وإنما يتناول الاثنين معًا.
وقد نصت المادة الأولى على أن قانون التجارة يتضمن من جهة القواعد المختصة بالأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص مهما كانت صفته القانونية، ومن جهة أخرى الأحكام التي تطبق على الأشخاص الذين اتخذوا التجارة مهنة.
وهذا النص يقود إلى نتيجتين مهمتين.
الأولى أن العمل قد يكون تجاريًا ولو صدر عن شخص غير تاجر، ما دام القانون يعده تجاريًا بحسب طبيعته أو حكمه.
والثانية أن بعض الأحكام لا تطبق إلا على من اكتسب صفة التاجر، أي من أصبحت التجارة مهنته وفق الشروط التي يقررها القانون.
ومن هنا فإن نطاق القانون التجاري الأردني يقوم على محورين:
العمل التجاري بوصفه أساسًا موضوعيًا لتطبيق بعض الأحكام، والتاجر بوصفه أساسًا شخصيًا لتطبيق مجموعة أخرى من الأحكام.
تقوم النظرية الشخصية على أن القانون التجاري هو في الأصل قانون التجار.
وبحسب هذا التصور، فإن نقطة البداية ليست طبيعة العمل، بل الشخص الذي يقوم به. فإذا كان الشخص تاجرًا ويمارس العمل في إطار نشاطه التجاري، فإن العمل يخضع للقانون التجاري.
وترجع هذه النظرية تاريخيًا إلى المرحلة التي كان فيها القانون التجاري قانونًا مهنيًا نشأ داخل طائفة التجار، وكانت قواعده تطبق أساسًا على من ينتمي إلى هذه الفئة.
ومن مزايا هذه النظرية أنها تربط القانون التجاري بالنشاط المهني المنظم، لكنها تواجه صعوبة واضحة: فقد يقوم شخص غير تاجر بعمل تجاري بطبيعته، كما أن التاجر نفسه قد يقوم بعمل مدني لا علاقة له بتجارته.
فشراء التاجر لمنزل للسكن الشخصي، على سبيل المثال، لا يصبح تجاريًا لمجرد أن المشتري تاجر.
ولهذا لا تكفي صفة الشخص وحدها لتحديد الطبيعة القانونية لجميع أعماله.
أما النظرية الموضوعية فتنطلق من طبيعة العمل ذاته.
وبحسبها، يكون القانون التجاري هو قانون الأعمال التجارية، أي أن العمل يخضع للقواعد التجارية متى كان من طبيعته التجارية، بصرف النظر عن صفة القائم به.
وهذه النظرية تناسب الأعمال التي اعتبرها المشرع تجارية بذاتها، مثل شراء البضائع بقصد بيعها بربح، وأعمال المصارف، والتوريد، والنقل، والسمسرة، والتأمين وغيرها من الأعمال الواردة في المادة السادسة من قانون التجارة الأردني.
وتتميز النظرية الموضوعية بأنها تربط الحكم بطبيعة العملية الاقتصادية، لكنها لا تكفي وحدها أيضًا؛ لأن القانون يعترف بوجود أعمال تكتسب الصفة التجارية بسبب اتصالها بتجارة التاجر، حتى لو لم تكن تجارية بطبيعتها الأصلية.
وهذا ما يسمى بالأعمال التجارية بالتبعية.
لم يأخذ المشرع الأردني بالنظرية الشخصية وحدها، ولم يأخذ بالنظرية الموضوعية وحدها، بل جمع بينهما.
ويتضح ذلك في أكثر من موضع.
فالمادة الأولى تتحدث عن الأعمال التجارية من جهة، وعن الأشخاص الذين اتخذوا التجارة مهنة من جهة أخرى.
والمادة السادسة تعدد أعمالًا تجارية بحكم ماهيتها الذاتية، ما يعكس الاتجاه الموضوعي.
أما المادة الثامنة فقد قررت:
“1- جميع الأعمال التي يقوم بها التاجر لغايات تجارية تعد تجارية أيضًا في نظر القانون.
2- وعند قيام الشك تعد أعمال التاجر صادرة منه لهذه الغاية إلا إذا ثبت العكس.”
وهذا النص يعكس الاتجاه الشخصي أو الشخصي-التبعي؛ لأن العمل قد يكتسب الصفة التجارية بسبب صدوره عن التاجر ولغايات تجارته.
ومن ثم، فإن النظام الأردني يقوم على نظرية مزدوجة:
تعد المادة السادسة من قانون التجارة الأردني الأساس التشريعي الأهم في تحديد الأعمال التجارية البرية بطبيعتها.
وقد نصت على مجموعة واسعة من الأعمال، من بينها:
ولم يغلق المشرع القائمة بصورة جامدة، بل أضاف في الفقرة الثانية من المادة السادسة أن الأعمال التي يمكن اعتبارها مماثلة للأعمال السابقة من حيث الصفات والغايات تعد كذلك أعمالًا تجارية برية بحكم ماهيتها الذاتية.
وهذه الصياغة بالغة الأهمية؛ لأنها تسمح باستيعاب صور جديدة من النشاط التجاري لم تكن معروفة عند صدور القانون، متى تشابهت في طبيعتها وغاياتها مع الأعمال التي عددها المشرع.
خصصت المادة السابعة طائفة من الأعمال التجارية البحرية، ومن بينها:
ويكشف ذلك أن المشرع الأردني لم يحصر النظرية التجارية بالنشاط البري، بل اعترف بالطبيعة التجارية لبعض العمليات البحرية نظرًا لصلتها المباشرة بالتداول والاستثمار والنقل التجاري.
وسنفصل هذه الأعمال في المقال الثالث الخاص بأنواع الأعمال التجارية.
تعالج المادة الثامنة الأعمال التجارية بالتبعية.
والمقصود بهذه النظرية أن العمل الذي قد يكون مدنيًا في الأصل يمكن أن يصبح تجاريًا إذا قام به التاجر لغايات تجارته.
ومن أمثلة ذلك من الناحية النظرية أن يشتري التاجر أثاثًا لمتجره، أو يستأجر مستودعًا لخدمة نشاطه التجاري، أو يتعاقد على خدمة ترتبط بمشروعه التجاري.
فالعمل لا يصبح تجاريًا لأن شراء الأثاث أو الاستئجار في ذاته عمل تجاري دائمًا، وإنما لأنه ارتبط مباشرة بالنشاط التجاري للتاجر.
وقد وضع المشرع الأردني قرينة مهمة في الفقرة الثانية من المادة الثامنة:
إذا قام الشك، يفترض أن أعمال التاجر صدرت لغايات تجارية، ما لم يثبت العكس.
وهذه قرينة قابلة لإثبات العكس.
فإذا أثبت التاجر أن العمل كان شخصيًا أو عائليًا أو بعيدًا عن نشاطه التجاري، زالت عنه هذه الصفة التبعية.
من النقاط المهمة جدًا في تحديد نطاق القانون التجاري أن الشخص قد يقوم بمعاملة تجارية دون أن يصبح تاجرًا.
وقد نصت المادة (12) صراحة على:
“لا يعد تاجرا من قام بمعاملة تجارية عرضا إلا أن المعاملة المذكورة تكون خاضعة لأحكام قانون التجارة.”
وهذه المادة تقدم تطبيقًا واضحًا للفصل بين مفهومين:
تجارية العمل وصفة التاجر.
فقد يكون العمل تجاريًا ويخضع لقانون التجارة، بينما لا يكتسب الشخص القائم به صفة التاجر لأنه لم يتخذ التجارة مهنة.
وهذا من أوضح الأدلة على أن المشرع الأردني لم يجعل صفة التاجر شرطًا لتجارية كل عمل.
تقدم المادة (13) مثالًا إضافيًا على هذا التمييز.
فقد قررت أن الدولة ودوائرها والبلديات واللجان والنوادي والجمعيات ذات الشخصية الاعتبارية لا تعد تجارًا ولو قامت بمعاملات تجارية، إلا أن تلك المعاملات تخضع لأحكام قانون التجارة.
إذن مرة أخرى:
العمل قد يكون تجاريًا، لكن القائم به لا يكتسب بالضرورة صفة التاجر.
وهذه قاعدة منهجية مهمة يجب عدم الخلط فيها.
لم يضع الفقه التجاري نظرية واحدة جامعة تحدد كل عمل تجاري، لأن النشاط التجاري متنوع للغاية.
فالشراء بقصد البيع يختلف عن النقل، والمصرف يختلف عن الصناعة، والسمسرة تختلف عن التأمين، ومع ذلك كلها أعمال تجارية.
ولهذا حاول الفقه البحث عن معيار جامع يفسر لماذا عد المشرع هذه الأعمال تجارية.
ومن أبرز النظريات التي تناولها الفقه:
ولا تمثل هذه النظريات نصوصًا تشريعية مستقلة في قانون التجارة الأردني، بل هي معايير فقهية تفسيرية تساعد على فهم الطبيعة التجارية للأعمال.
تقوم نظرية التداول على أن العمل التجاري هو العمل الذي يساهم في تداول الثروة وانتقالها من المنتج إلى المستهلك.
فالتاجر يؤدي دور الوسيط في حركة السلع والأموال، سواء عن طريق الشراء والبيع، أو النقل، أو السمسرة، أو الخدمات المرتبطة بالتداول.
ويظهر من هذه النظرية أنها تفسر عددًا كبيرًا من الأعمال التجارية، خصوصًا:
لكنها لا تفسر كل الأعمال التجارية بصورة كاملة.
فالصناعة مثلًا قد تتضمن إنتاجًا وليس مجرد تداول، وبعض الأنشطة التجارية تتصل بالخدمات أو التمويل بدرجة أكبر من انتقال السلع.
ولهذا لا تصلح نظرية التداول وحدها معيارًا شاملًا.
تقوم نظرية المضاربة على أن العمل التجاري هو العمل الذي يستهدف تحقيق الربح عن طريق استغلال فروق الأسعار أو رأس المال أو فرص السوق.
وتبدو هذه النظرية منطقية في نشاط الشراء بقصد إعادة البيع، الذي يذكر القانون فيه صراحة قصد البيع بربح.
كما يمكن للمضاربة أن تساعد في تفسير أعمال مصرفية ومالية واستثمارية عديدة.
لكن معيار الربح وحده لا يكفي.
فالطبيب والمحامي والمهندس قد يمارس نشاطه بهدف الربح، ومع ذلك لا يصبح عمله تجاريًا لمجرد وجود الربح.
كما أن بعض الأعمال قد تكون تجارية من حيث طبيعتها حتى لو انتهت العملية بخسارة.
إذن:
قصد الربح عامل مهم في كثير من الأعمال التجارية، لكنه ليس معيارًا وحيدًا أو مطلقًا.
تقوم هذه النظرية على أن العمل يكون تجاريًا إذا صدر في إطار حرفة أو مهنة تجارية معتادة.
وهي تقترب من النظرية الشخصية؛ لأنها تربط الصفة التجارية بتكرار العمل واحترافه.
وتظهر قيمتها بصورة خاصة عند دراسة صفة التاجر، لأن المادة التاسعة من قانون التجارة تعتبر من التجار الأشخاص الذين تكون مهنتهم القيام بأعمال تجارية.
لكن هذه النظرية لا تستطيع تفسير الأعمال التجارية المنفردة أو العرضية التي يخضعها القانون التجاري لأحكامه رغم أن القائم بها ليس تاجرًا.
والمادة (12) دليل واضح على ذلك.
تقوم نظرية المشروع على أن العمل يكتسب الصفة التجارية إذا مورس في إطار مشروع منظم يقوم على تكرار النشاط واستعمال وسائل مادية أو بشرية لتحقيق غرض اقتصادي.
وتساعد هذه النظرية على تفسير الطبيعة التجارية لعدد كبير من الأنشطة التي تحتاج إلى تنظيم، مثل:
لكنها أيضًا ليست معيارًا مطلقًا؛ لأن قانون التجارة الأردني يعتبر بعض الأعمال تجارية ولو وقعت بصورة منفردة أو لم تتخذ شكل مشروع متكامل.
إذن لا يمكن رد جميع الأعمال التجارية إلى فكرة المشروع وحدها.
النتيجة التي تنتهي إليها دراسة هذه النظريات هي أن لا معيار فقهيًا واحدًا يستطيع تفسير جميع الأعمال التجارية.
فبعض الأعمال يقوم على التداول.
وبعضها على المضاربة.
وبعضها على الاحتراف.
وبعضها يمارس في صورة مشروع.
ولهذا يكون المنهج الأكثر دقة في القانون الأردني هو البدء من النص التشريعي، ثم استعمال النظريات الفقهية في تفسيره لا في استبداله.
أي أن السؤال الأول ليس:
“هل هذا العمل يحقق المضاربة؟”
بل:
“هل اعتبره قانون التجارة الأردني عملًا تجاريًا صراحة أو ضمنًا أو بالتبعية؟”
ثم تأتي النظريات الفقهية لفهم الحكمة القانونية من التصنيف.
يمكن استخلاص عدة اتجاهات من النصوص الأردنية.
يظهر في الأعمال التي عدتها المادة السادسة تجارية بحكم ماهيتها الذاتية.
سمح المشرع بإلحاق الأعمال المشابهة من حيث الصفات والغايات بالأعمال الواردة في المادة السادسة.
جعل أعمال التاجر المرتبطة بغايات تجارته أعمالًا تجارية وفق المادة الثامنة.
استخدم المشرع الاحتراف عند تعريف التاجر، إذ اعتبر من التجار الأشخاص الذين تكون مهنتهم القيام بأعمال تجارية.
ومن هنا يتضح أن التشريع الأردني يستخدم عدة معايير متكاملة بحسب الموضوع.
ليست التفرقة بين العمل التجاري والمدني مسألة أكاديمية فقط؛ بل يترتب عليها نتائج عملية مهمة.
ومن أبرز هذه النتائج:
تظهر إحدى أهم النتائج في المادة (51) من قانون التجارة الأردني، التي قررت أن العقود التجارية لا تخضع مبدئيًا للقواعد الحصرية الموضوعة للعقود المدنية، ويجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات، مع مراعاة الاستثناءات الواردة في القوانين الخاصة.
وهذا يعكس خاصية السرعة والمرونة في الحياة التجارية.
فإذا كانت العلاقة مدنية، قد تخضع لبعض القيود الخاصة بالإثبات بحسب التشريع المطبق.
أما في المواد التجارية، فقد اتجه قانون التجارة إلى مرونة أكبر.
ومن هنا فإن وصف العمل بأنه تجاري قد يؤثر مباشرة في كيفية إثباته أمام القضاء.
من النتائج المهمة كذلك ما قررته المادة (53) من قانون التجارة الأردني، إذ نصت على أن المدينين معًا في التزام تجاري يعدون متضامنين في هذا الالتزام، وأن هذه القرينة تطبق كذلك على كفلاء الدين التجاري.
وهذا يعني أن التضامن في البيئة التجارية يحظى بمعاملة خاصة مقارنة بالقواعد العامة.
وتكمن الحكمة في تعزيز الائتمان وحماية الدائن التجاري، بحيث يستطيع الرجوع على المدينين المتضامنين وفق القواعد المقررة قانونًا.
ومن ثم فإن تحديد ما إذا كان الالتزام تجاريًا أم مدنيًا قد تكون له آثار مالية شديدة الأهمية.
يقرر قانون التجارة أيضًا أن الالتزام التجاري الذي يقصد به القيام بعمل أو خدمة لا يعد معقودًا على وجه مجاني، وإذا لم يحدد الطرفان الأجر أو العمولة أو السمسرة، يستحق الدائن الأجر المعروف في المهنة.
وهذه القاعدة تعكس طبيعة النشاط التجاري القائمة في الأصل على المعاوضة والربح.
ومن هنا يظهر مرة أخرى أن تحديد تجارية العمل ليس مجرد تصنيف نظري، بل قد يؤدي إلى تقرير آثار مالية مباشرة.
صفة التاجر لا تثبت لمجرد القيام بأي عمل تجاري.
فالمادة التاسعة تربط الصفة بأن تكون مهنة الشخص القيام بأعمال تجارية.
كما أن المادة الثانية عشرة تقرر بوضوح أن من يقوم بمعاملة تجارية عرضًا لا يعد تاجرًا، رغم خضوع المعاملة ذاتها لقانون التجارة.
وبالتالي يجب الفصل بين:
العمل التجاري: قد يقع مرة واحدة.
وصفة التاجر: تتطلب في الأصل الاحتراف أو المهنة وفق أحكام القانون.
وهذه التفرقة ستكون أساس المقال الرابع الخاص بالتاجر.
قد يكون العمل تجاريًا بالنسبة إلى أحد الطرفين ومدنيًا بالنسبة إلى الطرف الآخر.
وهذه هي صورة العمل المختلط.
ومن أشهر أمثلتها أن يشتري المستهلك سلعة من تاجر.
فالبيع بالنسبة إلى التاجر يدخل في إطار نشاطه التجاري، بينما الشراء بالنسبة إلى المستهلك يكون في الأصل مدنيًا إذا كان بقصد الاستعمال الشخصي.
وهنا تظهر أسئلة مهمة:
وسنبحث هذه المسائل بالتفصيل في المقال الثالث ضمن الأعمال المختلطة.
لنفترض أن شخصًا اشترى خمسين جهازًا إلكترونيًا بقصد إعادة بيعها وتحقيق ربح.
هذا العمل يدخل من حيث الأصل ضمن الشراء بقصد البيع بربح، وهو من الأعمال التجارية التي أوردتها المادة السادسة.
لكن إذا اشترى الشخص جهازًا واحدًا لاستعماله الشخصي، فإن مجرد الشراء لا يجعله عملًا تجاريًا.
وإذا كان المشتري تاجرًا واشترى الجهاز لتجهيز متجره، فقد يكتسب العمل الصفة التجارية بالتبعية إذا كان مرتبطًا بغايات تجارته وفق المادة الثامنة.
أما إذا اشتراه لمنزله الخاص، فيمكن إثبات أنه عمل شخصي بعيد عن النشاط التجاري، رغم أن القانون يفترض عند الشك أن أعمال التاجر صادرة لغايات تجارية إلى أن يثبت العكس.
هذا المثال البسيط يبين لماذا لا يمكن تحديد الطبيعة التجارية للعمل بالنظر إلى الفعل المادي وحده، بل يجب دراسة الغرض وصفة الشخص والارتباط بالنشاط التجاري والنص القانوني المطبق.
عند مواجهة واقعة عملية، يمكن اتباع منهج قانوني منظم:
أولًا، البحث عما إذا كان قانون التجارة أو تشريع خاص قد وصف العمل صراحة بأنه تجاري.
ثانيًا، إذا لم يوجد نص صريح، النظر فيما إذا كان العمل مماثلًا للأعمال التجارية الواردة في المادة السادسة من حيث صفاته وغاياته.
ثالثًا، إذا صدر العمل عن تاجر، البحث فيما إذا كان قد تم لغايات تجارته وفق المادة الثامنة.
رابعًا، التمييز بين ممارسة التجارة على سبيل المهنة وبين العمل التجاري العرضي.
خامسًا، تحديد ما إذا كانت العلاقة تجارية بالنسبة إلى الطرفين أم مختلطة.
سادسًا، بعد التكييف، تحديد الآثار القانونية التي تترتب على وصف العمل.
وهذا المنهج أكثر دقة من محاولة فرض نظرية فقهية واحدة على جميع الوقائع التجارية.
يتميز النظام الأردني بالمرونة من ناحيتين.
الأولى أن المادة السادسة لم تكتفِ بتعداد الأعمال، بل سمحت بإلحاق الأعمال المماثلة بها، مما يتيح للقانون مواكبة تطور النشاط الاقتصادي.
والثانية أن المادة الثامنة أقامت قرينة لصالح تجارية أعمال التاجر عند الشك، ما يسهل التعامل مع الأنشطة التي ترتبط بالمشروع التجاري.
لكن هذه المرونة تجعل التكييف القانوني مسألة مهمة جدًا؛ لأن بعض الأعمال الحديثة قد لا تكون مذكورة بالاسم في قانون صدر سنة 1966.
وفي هذه الحالة لا يصح القفز مباشرة إلى نتيجة أن العمل غير تجاري، بل يجب فحص طبيعته وغايته ومدى مماثلته للأعمال التي اعترف بها المشرع.
تقوم نظرية الأعمال التجارية في القانون الأردني على بنية مركبة تجمع بين طبيعة العمل وصفة القائم به وعلاقة العمل بالنشاط التجاري.
فالمشرع الأردني اعترف بالأعمال التجارية بحكم ماهيتها الذاتية، وأجاز إلحاق الأعمال المماثلة بها، كما اعتبر الأعمال التي يقوم بها التاجر لغايات تجارته أعمالًا تجارية، مع إقامة قرينة على هذا الارتباط عند الشك. وفي الوقت نفسه، فصل بين تجارية العمل واكتساب صفة التاجر، بدليل خضوع المعاملة التجارية العرضية لقانون التجارة دون أن تجعل من قام بها تاجرًا.
أما النظريات الفقهية، مثل التداول والمضاربة والحرفة والمشروع، فهي أدوات تفسيرية مهمة، لكنها لا تغني عن الرجوع إلى النصوص الأردنية ولا تشكل بمفردها معيارًا تشريعيًا عامًا.
وتظهر أهمية التمييز بين العمل التجاري والمدني في آثار عملية بارزة، مثل الإثبات، والتضامن، واستحقاق الأجر، واكتساب صفة التاجر، وتحديد الأحكام التي تطبق على العلاقة.
ومن هنا، فإن التكييف الصحيح للعمل يمثل الخطوة الأولى لكل تحليل تجاري سليم.
راجع معنا مادة القانون التجاري


اترك رداً
هل لديك أي سؤال او استفسار؟لا تتردد في المشاركة!